جعفر المظفر
حجم الخط :
عدد القراءات
370
2018/6/11 05:19:33 PM

تكثر الأحاديث التي تُحَمِّل الشعب العراقي المسؤولية الرئيسة في هذا التفكك والتخلف والضياع واللامعقولية التي يعاني منها العراق حتى وصل الأمر بأحدهم إلى القول (نحن شعب لا يستحي) وصار هناك من يردد هذا القول وكأنه قد وضع يده أخيرا على سبب التدهور والتخلف والإنحطاط.

ولا أجد في هذا التفكير والتفسير المنحرف غير أن أقول عنه أنه إمتداد أو إنعكاس لذات الثقافة التي تنطلق من حالة اليأس أو التي تستهدف التيئيس وتَنْحى بالأصل إلى تعميق الإحساس بالذنب والشعور بالدونية, والتي تنطلق من أو تتفق مع الثقافة التي تتهم العراقيين بقتل الحسين الشهيد.

ولست مهتما هنا لو إتهمني البعض بأنني من أصحاب نظرية المؤامرة إذ أني سأواصل القول أن هناك جهات معادية متعددة, منها إيران ومنها إسرائيل, يهمها تماما زعزعة ثقة العراقيين بانفسهم وتحويلهم إلى مجاميع مريضة بعقد الذات وبالنقائص الأخلاقية التي تخرجهم من التاريخ وتجعل كل دورهم في الحياة هو التكفير عن مشاركتهم في مقتل حفيد نبيهم, فتلغى بذلك كل شهور السنة لتبقي على عاشوراء وحده, وتسقط كل الأمكنة لتبقي على كربلاء لوحدها.

بإعتقادي.. الشعب, بالمعنى النظري تحديدا, هو "حالة مرحلية" تتشكل تمظهراتها بظروف ومعطيات المرحلة ذاتها, فهو ليس حالة مطلقة وقائمة بحالها ولحالها, إذ قد يكون رائعا وعظيما في مرحلة لكنه قد يكون مخدرا ونائما في أخرى.

الشعب الصيني هو في مقدمة الأمثلة التي قدر لبعض منا أن يعاصروا حالاته الثلاث ليقارنوا بين مرحلة كان فيها حشاشا تائها, وثانية كان فيها إمعة تابعا, وثالثة صار فيها عملاقا منتجا.

لقد رأيناه بالتالي ينتقل من حالة التردي إلى حالة النهضة العملاقة خلال مرحلة زمنية ممتدة على أقل من الثلاثة أرباع قرن. وأظن أن ما تغير في الصين هو قيادة الشعب أولا, أي التفيعلة السياسية التي إستطاعت أن تضع الشعب على ثلاثة تمظهرات مختلفة في مراحل ثلاثة مختلفة.

الفيتناميون أيضا كان من حظهم في مرحلة بذاتها أن يكون من بينهم رجل من أمثال هوشي مِنَة الذي إستطاع أن يحقق النصر على أعظم قوة عسكرية في التاريخ وفي العالم وهي أمريكا من خلال تقديم نفسه كقائد لا يملك غير حصيرة ونعال.

أما صاحبنا صدام فقد سلك سلوكا مستهجنا يوم راح يقدم نفسه وعائلته في مرحلة الحصار المدمر من خلال بناء المزيد من القصور والإحتفالات السخيفة بأعياد الميلاد التي ركب في واحدة منها عربة مذهبة وفي أخرى جلس فيها على عرش أبنوسي عجيب بينما راحت عائلته تمارس سلوكيات البرجزة والإستعلاء مما أدى إلى سقوط النماذج الإستثنائية في المرحلة الإستثنائية المتشكلة سلوكياتها بشروطها التي تحدد في النهاية شكل النتائج.

وبإمكانك أن تلاحظ كيف كان عليه الجيش العراقي مثلا في الحرب مع إيران وكيف صار عليه في حرب الكويت لكي تضع بنفسك عامل القيادة في المكان الذي تختاره من مساحة العلاقة بين الذاتي والموضوعي, ولنتذكر أن الشعب الفيتنامي نفسه كان تحول من شعب مخدر ونائم إلى شعبٍ بطلٍ وتاريخيٍ ذلك بفضل (نعال وحصيرة) وفكر وطليعة هوشي منه !.

ولو أن هذا الأخير كان إحتفل بعيد ميلاده وهو يركب عربة حتى ولو كانت خشبية لما قدر لدور (الشعب) أن يتفعل بتلك الطريقة فيتمظهر في حالة هي خلاف ما كان عليه في مرحلة سابقة. وحتى في أثناء ذلك فقد تمظهر الشعب في صورتين متضادين أحدهما تبع رجل النعال والحصيرة المنتصر والآخر كان مواليا لخصومه المنكسرين.

اليابانيون أنفسهم الذين يتعبوك الآن أدبا وكياسة ودبلوماسية كانوا قبلها في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية من أكلة لحوم البشر حيث كانت جرائمهم في الهند الصينية تفوق الوصف. أما الألمان فقد إنتقلوا من مرحلة النازية التي كانت قد قدمتهم في الصورة النقيضة لما صاروا عليها بعد هزيمتهم في الحرب, وشتان ما بين ألمانيا هتلر وبين ألمانيا أديناور يوم حول الأول ألمانيا إلى أنقاض ويوم قام الثاني بسحبها من تلك الأنقاض.

أما العراقيون ففي ذات مرحلة إستطاعوا أن يقيموا حضارات قديمة متعددة وان يحققوا عبر مراحل مختلفة الكثير من الإنجازات التي وضعت البشرية على بداية طريق النهضة, إذ كان لهم الفضل الأول في إختراع الكتابة والعجلة إضافة إلى إنجابهم أو إحتضانهم لعلماء وفلاسفة كبار كما وتأسست على أراضيهم أغلب مدارس الفقه الإسلامي وقامت على أراضيهم الإمبراطورية العباسية التي كانت حينها قد تناصفت العالم.

إن ثقافة نحن شعب لا يستحي هي ثقافة معيبة وجاهلة وغبية.

وحتى حينما تتوفر خلف إطلاقها النوايا الحسنة فهي سطحية ولا يملك صاحبها قدرة النظر إلى ابعد من أنفه.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي