ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
310
2018/6/14 03:17:58 PM

يوم أمس كان كما يزعم الكثيرون من العالم "اليوم الأهم في القرن الـ21" أو "قمة القرن" كما سوّقها الإعلام الغربي، والتي ذهب ليجتمع فيها الناجي الأخير من الفكر الشيوعي ليلتقي برمز الإمبريالية ويبدأان صفحة جديدة حملت "الصلح والسلام والضمانات الأمنية" عنواناً لها.

على هذا اجتمع أمس في سنغافورة كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، ومما لا شكّ فيه أنّ هذا اللقاء يعدّ خطوة مهمة وتقدماً كبيراً في المحادثات بين البلدين، ولكن يمكننا تأريخ هذا الحدث عندما يتعلق الأمر بتحقيق نتائج ملموسة ويتوصل الطرفان إلى اتفاق تنفيذي كامل، لما تم الاتفاق عليه علماً أن الاتفاق مليء بالثغرات التي سنوضح جزءاً منها، علّنا نوفّق في كشف الأقنعة التي غلفتها الفخامة وحبّ الظهور والمقتنيات الثمينة وجنون العظمة في سنغافورة.

في الحقيقة لقد أثار الاجتماع، الذي صاحبه بروباغندا واسعة الطيف لوسائل الإعلام التي يرعاها رئيس أمريكا، أسئلة كثيرة في أذهان كثير من الناس حول العالم، لماذا يجب على كوريا الشمالية الاستسلام لأمريكا؟ أليس لديهم قنابل نووية، ألم يقل جونغ أون بأن صواريخهم تصل إلى أمريكا، ولديهم جيش قوي؟ أسئلة كثيرة في هذا المضمار ليس من السهل الإجابة عليها.

الثقة

لا نستطيع أن ننكر بأن الزعيم الكوري الشمالي الشاب كان يرغب بصورة ما بالتفاوض مع الجانب الأمريكي، وكانت هذه المسألة على جدول أعمال والده وجده، لكنّ الأمريكيين كانوا دائماً متطرفين في شروطهم فهم يريدون من كوريا الشمالية أن تستسلم لجميع الشروط التي تفرضها واشنطن دون قيد أو شرط، وهذه السياسة كان لها أثر كبير في انهيار جميع الاتفاقات السابقة وعلى رأسها اتفاقي "1994-2002".

ومن هنا يمكننا التكهن بأن المفاوضات المقبلة مع بيونغ يانغ لن تكون ميسّرة بسهولة، فالعقبات كبيرة في هذا الصدد أبرزها "عدم الثقة" بالأمريكي، وهذا مبرر للرئيس الكوري الشمالي، فما فعله ترامب مع إيران وفلسطين وحتى ما حصل مؤخراً في "قمة السبعة" لا يوحي بأن الطرف الأمريكي "أهل للثقة".

ناهيك عن التلويح لـ "جونغ أون" بمصير "القذافي" عبر كبير صقور البيت الأبيض "جون بولتون"، فكيف يمكن للزعيم الكوري الشمالي أن يثق بمن يريد نزع سلاحه النووي من جهة ويضع "النموذج الليبي" أمام عينيه من جهة أخرى، وحول هذا الموضوع تساءل السفير الأمريكي السابق لدى روسيا مايكل ماكفول، "إذا كان ترامب عاجزاً عن التفاوض على اتفاق حول الحليب، مع أحد أكثر حلفائنا المقربين، فكيف سيمكنه التوصل إلى اتفاق حول نزع السلاح النووي مع أحد أكبر خصومنا؟!".

رؤية واشنطن

من ميزات اللقاء الذي جمع الزعيمين الأمريكي والكوري الشمالي أنه سيحقق لهما نوعاً من التوازن في المرحلة المقبلة وسيخفف من الضغط على مستوى الداخل قبل الخارج، خاصة أن شعب الدولتين كان قلقاً من حرب محتملة بين البلدين سببها "جنون" الزعيمين وتفاخر كليهما بـ"زرّه النووي" الذي يمكن له أن يدمّر ربع القارة وربما أكثر.

ويمكن لهذا اللقاء أن يُبعد شبح الحرب عن شبه الجزيرة الكورية بشكل مؤقت، وهذا سيكون في مصلحة الصين التي تلعب دور الوسيط حالياً، ويعزّز من مكانتها السياسية، ولكن واشنطن لن تلتزم بما تعهدت به، فهي لن ترضى بأن تبقى كوريا الشمالية دولة نووية، إذ لم يرد في الاتفاق سوى الحديث عن نزع الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية، فلا جواب عن مصير برنامج إنتاج اليورانيوم والبلوتونيوم، قاعدة ديمومة أي برنامج تسلحي، فيما كان مثيله الإيراني موضع تفكيك منهجي تحت رعاية الصين، ولا شيء عن المنظومة الصاروخية الكورية العابرة للقارات.

والأهم أنه لم يتم التطرق إلى جدول زمني لتنفيذ التعهدات، وهذا ما يترك الباب محتملاً لجميع التوقعات، فكيف يمكن الوثوق بواشنطن التي انسحبت من الاتفاق النووي الإيراني بعد عشرات السنين من المفاوضات ومزّقت بنوده المكتوبة على 109 صفحات، فكيف باتفاق لا يتجاوز الصفحتين.

"شو" إعلامي

في ظاهر الأمر أن ترامب كان يسعى لخلق "استعراض جديد" لنفسه في سنغافورة، يحقق من خلاله عدة مكاسب، منها تلميع صورته أمام الشعب الأمريكي من خلال خوضه في أغوار لم يكن أحد يتجرّأ الخوض فيها وإن كانت مجرد "شو" إعلامي، المهم كسب المزيد من النقاط في السياسة الخارجية لكي تنعكس إيجاباً على الداخل الذي أرهقته الحروب وصناديق الجنود القتلى المحملين على متن الطائرات القادمة من الشرق الأوسط وشرق آسيا.

في مقابل ذلك يريد ترامب أن يظهر للعالم بأنه يكسب جميع المعارك التي يخوضها، وبهذا يكون وجه "من وجهة نظره" صفعة لإيران على اعتبار أنها القلعة الأخيرة الصامدة في وجه "أمركة المنطقة" وتفريغها من ثقافتها وأصالتها، وقال ذلك صراحة في سنغافورة: "آمل أنه في الوقت المناسب، بعد أن تكون العقوبات قد فعلت فعلها، وهي عقوبات قاسية جداً، أن يعود الإيرانيون إلى التفاوض على اتفاق حقيقي، لأني أرغب في أن أكون قادراً على الاتفاق معهم، لكن الأوان لم يحن بعد... أعتقد أن إيران بلد يختلف عمّا كان عليه قبل ثلاثة أو أربعة أشهر، لا أعتقد أنهم يهتمون بالمتوسط، ولا بما يجري في سوريا، كما كانوا يفعلون بثقة كاملة، لا أعتقد أنهم ما زالوا يتمتعون بنفس الثقة".

ثقة مفرطة مصيرها مجهول في عالم اعتاد الغدر الأمريكي، والشواهد لا تحصى في هذا المضمار، على أمل ألا تصبح كوريا الشمالية إحدى هذه الشواهد، ننتظر القادم من الأيام.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي