ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
492
2018/7/5 06:40:22 PM

لحزن انفعال بشري، مثله مثل الفرح، لكنَّه في العراق تحوَّل عبر آلاف السنين، نتيجة الحروب، والاحتلالات، والكوارث الطبيعية، وما تبع ذلك، من خراب المدن، وزوال الحضارات الأولى، تحوَّل من كونه انفعالًا يزول بزوال مسبباته، إلى «حالة مَرَضيَّة» وصفة ملازمة للشخصية العراقية، فالعراقي دائم الحزن بطبعه، وحينما يُخبِرنا شعبٌ ما عن صفة تُمَيِّزُه؛ يخبرنا الشعب العراقي أنه حزين.

الحزن القديم

رثاؤك مرٌ أليم أيتها المدينة

آه يا أور المشيدة بالآجر، رثاؤك أليم، الحزن حل فيها

آه يا مدينة الأسوار العالية، لقد هلكت أرضك

أرضي لم تُحرَّر من الخوف

لأنَّ في مدينتي كانت مصيبة مريرة

* مقطع من مرثية أور

تحكي مرثية أور (4000 ق.م.) كيف دافع شعب مدينة أور وملكهم «أبي- سين» عن المدينة حتى آخر قطرة دم، تصف المرثية دمار المدينة، وكيف دخل العيلاميون والسورباريون إليها، ثم جمعوا جثث أهلها في ساحة أفراح المدينة، وتركوها تتفسخ، وتسيل تحت أشعة الشمس، هذه المرثية التي صارت أغنية الشعوب السومرية في ما بعد لم تكن يتيمة المراثي، فقد كتب السومريون مرثيات أخرى حزنًا على مدن أخرى، مثل مرثية مدينة نيبور، ومرثية مدينة الوركاء، ومرثية مدينة أريدو، ومرثية تخريب مزار لكش، وكذلك لعنة أكد، ومرثية مردوك، عن دمار مدينة بابل، وهذه المراثي كُتبت على امتداد حكم السلالات السومرية الثلاث، التي استمر حكمها من الألفية الرابعة وحتى الألفية الثانية قبل الميلاد.

المراثي الكثيرة، وخراب المدن، شكّلا ملامح الغناء السومري، وأثَّر حتى في تطور العلامة المسمارية للدلالة على كلمة المغني في اللغة السومرية، فلفظة «نار» تعني المُغني، ويُمثَّل بصورة رأس حيوان ابن آوى، وقد توصل الدارسون إلى علاقة صوتية بين الكلمة وتصويرها الدلالي، مفاد هذه العلاقة؛ أن الغناء السومري حزين، مثل صوت ابن آوى الذي هو أقرب للبكاء والعويل، كذلك في اللغة الأكدية، فإن كلمة «صراخو» تعني أغنية، وتصويرها الدلالي مأخوذ من اللغة السومرية، رأس ابن آوى.

وتصنف الشعوب السومرية المغنين إلى نوعين: أحدهما هو «كالا» المتخصص بأغاني الرثاء، وترافقه في حفلاته الجنائزية آلة القيثارة (بلانك)، وتشير الألواح السومرية إلى أن «كالا» اتسع مجال تخصصه في الغناء خلال العهد السومري الحديث (2116- 2004ق.م.) عندما كثر خراب المدن بالغزو، أو الكوارث الطبيعية، إذ صارت من مهامه الرئيسية التجول بين الناس، وأداء الأغاني الحزينة التي تدفع السامع إلى البكاء بشدة ليرتاح ويهدأ قلبه الحزين.

أبو البكاء

له منبر في صدر الحسينية، ومكانته عالية كعلو منبره، ويصل الأمر في كثير من الأحيان إلى طلب الدعاء منه، والتبرك به، فهو صوت السماء الذي يطهرهم من الذنب بالبكاء.

في المواكب الحسينية، لن تجد مجلس عزاء بدون «رادود»، وهو الرجل الذي عادةً ما يجلس على منبر أعلى من الحضور، سواء كانوا جلوسًا أو قيامًا، ينشد لهم بصوته الحزين قصائد المراثي، فيبكي الحاضرون، ويلطمون الوجوه، ويشقون رؤوسهم بالسيوف والسكاكين، ويجلدون ظهورهم بالسياط؛ حزنًا على الحسين وأهل بيته.

 

 

 

«الرادود» في العراق الحديث يقابل «كالا»في العراق القديم، له الصفات والواجبات نفسها، يتميز بصوت شجي حزين، ومكانة اجتماعية مرموقة، حتى أن في أحد ألواح مدينة أور ذُكر أنَّ الملك جوديا قابل الإله بعد أن هدأ قلبه بسماع الأغاني الحزينة من المغني «كالا» وعزفه على القيثارة.

أمّهات البكاء

يشيع خبر الموت في الحي، ثم يُشيّع الميت بجنازة باكية، بعدها ترى النسوة يتقاطرن متشحات بالسواد -كأنهن أسراب من الغربان- إلى بيت الميت، هنالك تجد «العدّادة» أو «النائحة»؛ وهي امرأة تحفظ الرثائيات من الشعر الشعبي، وتغنيه بصوتها الحزين، ومعها نساء يتحلقن حولها، يرددن لازمة معينة من كل قصيدة، ويلطمن الخدود والصدور.

«العدّادة» هي امتداد لما يُعرف باللغة السومرية «أما- أيرا» وفي اللغة الأكدية «أمو-بكتيتي» وتعني في اللغتين «أم البكاء» أو «البكّاية»، وهذه المرأة متخصصة بالمآتم وذكرى الميتين، وتُقام لها المجالس أو المناحات في بيت المتوفى.

أنا عراقي.. إذن أنا حزين

«مو حزن لكن حزين»، هذه الجملة الشعرية لمظفر النواب تلخيص إبداعي لحياة العراقي، ونمط حياته اليومية، إنّه شخص دائم التشكي والانفعال، حزين على ما فات، حزين لما سيأتي، سريع البكاء، ولعلَّ هذا السلوك -البكاء- هو أكثر دلائل الحزن وضوحًا في شخصية الفرد العراقي، أو هوية المجتمع العراقي الوطنية في سمتها الجمعية، كذلك فإنَّ العراقي شريك جيد في الحزن، وتعرف ذلك في العزاءات العراقية الكثيرة، فلا أحد يحزن وحده، ولا تكاد تميز صاحب المصيبة لكثرة الباكين حوله، وللعراقي مواسم حزن مقدسة، تظهر فيها عادته الأبرز.

ويتنافس العراقيون في هذه المواسم أيهم أكثر حزنًا ليس بالبكاء فقط، وإنما في البذل والإطعام، ففي أربعينية الحسين -أحد طقوس الشيعة- يتشح الناس بالسواد، وأنّى أدرت وجهك ترى الرايات السوداء فوق المنازل والبنايات العامة والخاصة، والشوارع التي يمر بها الزائرون تتحول إلى سرادق طويلة مليئة بالقدور الكبيرة، تطهى بها الأطعمة وتوزع مجانًا على الناس، إنّه مشهد هائل للاحتفاء بالحزن.

الحزن في الأدب العراقي

خصوصية الفن العراقي تتجلى بطابع الحزن الذي يشكل ملامح أجناسه أدبًا وغناءً وحتى تشكيلًا، هذه الخصوصية جعلت أشقاءه العرب يتداولون كثيرًا مقولة إن الفن بكى في العراق.

كل أعضائي هادئة باستثناء العراق

كتبَها ثم أطلق صاصة على رأسه، ودفن في قبر جماعي لا شاهدة له في مقبرة «سنترال فريدهوف» بعيدًا عن العراق الذي قتله من الحزن.

قاسم جبارة «طبّال الليل»، حمل البلاد المنكسرة شظايا حادة في روحه، وخدوشًا عميقة في ذاكرته، 10 سنوات في فيينا، لا أنس في لياليها، والرضا بـ«الموت والمنفى، وبعنف الركلات، وبالمرحاض الرطب، وبالغرفة في آخر طابق، وبتوزيع الإعلانات، بحذاء العسكر، بجواز هولندي، بفتاة مفلسة.. بالصمت، وبالثرثرة العظمى، بالهذيان الهائل، بالذكرى إذ تسقط في بئر سوداء، باللحية والشعر الكث، وبالجلد المدبوغ، وبمسح صحون القوادين، بنشيد الصف الثالث، بصدّيقة الملاية، بالقرآن، بتنزيلات السوق» هذا الرضا المَرَضي للحزن لم يدم طويلًا، فقد انتهى برصاصة مسدس من بائع خردة نمساوي.

شعر قاسم جبارة قد يمثل الصورة الأكثر وضوحًا للأدب العراقي الحديث، الممتلئ سوادًا وحزنًا؛ إنَّه سيرة ذاتية للعراقي الحديث، حادة ومتقلبة وغاضبة؛ سيرةٌ محطاتها الانقلابات والأنظمة الديكتاتورية والحروب، إنّه «ابن الخائبة» كما يقول في أحد نصوصه، وهذه المفردة على لسان كل عراقي حين يريد أن يشتكي.

أنا الشريد لماذا الناس تذعر من *** وجهي وتهرب من أقدامي الطرق؟

 

أدب جبارة ليس ملمح الحزن الوحيد في الأدب العراقي؛ بدر شاكر السياب ساهم أيضًا في تشكيل طينة الأدب العراقي الحديث بـ«ثيمة» الحزن، وما زال لبكائياته صدى يتردد في العراق، كذلك عبد الأمير جرص وعبد الأمير الحصيري أمير صعاليك بغداد، وسادن التشرد والحرمان والأرق، أو هو هم كما كتب في قصيدته «أنا الشريد».

غناء حزين

«يلولي» فعلٌ باللهجة العراقية، يعني ترنم الأم بتهويدة للطفل حتى ينام، تقول إحداهن للأم التي تحمل طفلها الباكي: لوليله حتى ينام. فتبدأ الأم تربت على صدر ابنها مترنمةً بأشهر تنويمة طفل عراقية: «دللول يا الولد يا ابني».

يورد الدكتور علي الوردي في كتابه «شخصية الفرد العراقي» أن طالبًا عراقيًّا في إحدى الولايات الأمريكية ذهب لزيارة صديقه الذي يسكن مع عائلة أمريكية في ولاية أخرى فلم يجده في البيت، وجلس ينتظر مجيئه، فقصَّت ربة البيت القصص عن أدب هذا الطالب، وأخلاقه، وذكائه، واندماجه معهم، لكنَّها لم تستطع فهم شيء واحد في شخصيته؛ وهو أنَّه كلَّما دخل الحمام بدأ بالبكاء! وحين جاء هذا الصديق قصَّ عليه صديقه ما سمعه من ربة المنزل، فأخبره بأنه لا يبكي؛ لكنه حين يدخل الحمام يغنّي «الأبوذية».

والأبوذية هي أحد أطوار الغناء العراقي الذي يبرع فيه أهل الجنوب شعرًا وغناءً، ومغنو هذا الطور كثيرون، غير أن أشهرهم سلمان المنكوب وحضيري أبو عزيز وداخل حسن، وهذا الأخير يُروى أنَّهُ بدأ الغناء عندما كان فتى يرعى أبقار أهله، فذاع صيته في الحي، وأرادت أمه منعه بإعطائه عقارًا لتخريب حنجرته ما تسبب له ببحَّة حزينة في صوته، جعلته متفردًا في أداء هذا الطور الريفي.

الموال العراقي إحدى سمات الغناء العراقي الحزين إن لم يكن سمته الأبرز، وهو قديم، نشأ أولًا في العراق خلال عصر الدولة العباسية، وتحديدًا أيام هارون الرشيد ونكبة البرامكة، وجاء في تاريخ آداب العرب للرافعي أنَّ هذا النوع يسمى «المواليا»: «وقالوا في أصله أقوالًا أشهرها عند الأدباء أن الرشيد أمر بعد نكبة البرامكة ألا يرثيهم أحد بشعر، وتنكر لمن يفعل ذلك، فرثت إحدى جواريهم جعفرًا بهذا النوع الذي يدخله اللحن ولا يجري على أوزان الشعر، لتتقي بذلك نقمة الرشيد، وجعلت تقول بعد كل شطر: يا مواليا! فعرف هذا النوع به وتناقله الناس».

الحزن.. حاضر في الأعراس والبيوت

العادةُ في الأعراس الفرح، ولا بكاء إلا حين يزفُّ الأب أو الأم العروس إلى زوجها وهذا له مبرراته، ولكن أن يبكي العريس ليلة زفافه؟ هذا ما لا يحدث إلا في العراق.

يجيء «المهوال» وهو شاعر شعبي يتمتع بصوت قوي وحزين، يقف وسط حشد من الحاضرين، بينهم العريس وأقرباؤه، يبدأ هذا «المهوال» بما يشبه العويل، يغني عن موت الأب، وفقدان الصديق أو غدره، وكل ما يمكن أن يكدر على العريس والحاضرين لحظات الفرح، حتى ترى الوجوه كئيبةً، والرجال كأنَّهم واقفون لدفن جثة.

«الناعي» له مهمة تنغيص الحياة وبث الحزن والكآبة تمامًا كما يفعل «المهوال»، لكن «الناعي» لا يحضر في الأعراس، هو يتجول حول البيوت، يدخلها ثم يجلس مع أهلها ويبدأ بغناء البكائيات أو الفراقيات، ويكون الحزن أكثر قتامة، وأشدّ وطئًا كلَّما دخل «الناعي» على بيت نُكب بمقتل أحد أبنائه، أو بعضهم، أو حتى كلهم في إحدى الحروب الكثيرة التي مرَّت على العراق.


ساسة بوست

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي