ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
144
2018/8/8 03:46:36 PM

بعدما وجدت نفسها وحيدة ومن دون أصدقاء، بدأت "ريما" تقضي ساعاتٍ وساعاتٍ وهي غارقة في أحلامها، فتارةً تتخيل نفسها إحدى الشخصيات الكرتونية وتارةً أخرى تشعر أنها بطلة قادمة من عالمٍ "سريالي" لإنقاذ حياة الناس من الضجر، واللافت أن هذه "المخيلة الواسعة" كانت تجعلها تشعر بأنها محبوبة ومقبولة اجتماعياً.

ومع الوقت ازدادت ساعات عزلتها عن العالم الخارجي، فكانت تسبح في أفكارها وتغرق في أحلامٍ جميلة تأخذها إلى عالمٍ مثالي حيث يقبلها الجميع كما هي من دون أحكام مسبقة، لحين أن تطور الأمر وباتت تعيش أكثر من حياة وأكثر من شخصية في الوقت نفسه، ورغم إدراكها لما يحصل إلا أنه لم يكن باستطاعتها التخلي عن "أحلام اليقظة" والمشاعر الجميلة التي كانت ترافق مثل هذه اللحظات.

أحلام اليقظة قد تساهم في حل بعض المشاكل، كما أنها تطلق العنان للطاقة الإبداعية وتشكل مصدر إلهام للعديد من الناس

هل أحلام اليقظة واحدة من ألذ اللحظات التي يختبرها المرء في حياته؟

ربما! إذ أنها تتيح لنا الإنغماس في عالمٍ ساحرٍ في أي ظرف نجد نفسنا فيه، وفي أي مكان: حين نكون عالقين مثلاً في اجتماع عمل ممل أو واقفين في طابور طويل، أو تعبين نريد راحة لأجسادنا ولأرواحنا أيضاً.

أظهرت الدراسات أن أحلام اليقظة لا تكتفي فقط بمساعدتنا على خلق مساحة خاصة خارج الواقع، إنما تساهم أيضاً في حل بعض المشاكل، كما أنها تطلق العنان للطاقة الإبداعية وتشكل مصدر إلهام للعديد من الناس.

في دراسة أجراها علماء النفس في جامعة كاليفورنيا، طُلب من المشتركين الجامعيين التوصل إلى أكبر عددٍ ممكنٍ من الاستخدامات للأشياء اليومية: عيدان الأسنان، شماعات الملابس... وذلك في دقيقتين ومن ثم أخذ إستراحة لمدة 12 دقيقة وتكرار التمرين. وقد تبيّن أن الطلاب كانوا أكثر قدرةً على التفكير بالمزيد من الاستخدامات بعد الإستراحة التي انطوت على إكمال مهامٍ غير مهمة، مما شجع على المزيد من أحلام اليقظة.

هذا ما اختبره العديد من العلماء والكتّاب أمثال الروائي التركي أورهان باموك الذي تخيّل "عالماً آخر"، وألبيرت أينشتاين الذي تخيّل نفسه يركض على طول موجة خفيفة مما ساهم في توصله إلى نظرية النسبية ومخرج الأفلام "تيم بورتون" الذي قضى طفولته وهو قابع في غرفة النوم يخلق ملصقات لسلسلة أفلام رعب من نسج خياله.

تفيد دراسة عن الموضوع بأن البعض تتكون لديهم نزعة، منذ الصغر، لاختبار أحلام اليقظة بشكل مكثف، بمعزل عن المؤثرات حولهم.

وفي سياقٍ متصل، يبدو أن أحلام اليقظة تعزز الشعور بالتواصل الإجتماعي، ففي دراسة أجرتها جامعة "شيفيلد" تم حث مجموعة من المشاركين على الشعور بالوحدة، وبعد ذلك طلب منهم إما الانغماس في أحلام اليقظة حول شخصٍ ما أو حول موقفٍ غير اجتماعي أو إكمال مهمةٍ تتطلب مجهوداً فكرياً، واتضح أن أولئك الذين حوّلوا أحلامهم نحو شخصٍ ما أظهروا زيادة كبيرة في الشعور بالارتباط، وبالحب وبالإنتماء مقارنةً مع غيرهم، مما يعني أن أحلام اليقظة تساعد في الحفاظ على التواصل مع الأحباء حتى في غيابهم.

 

"أحلام يقظة" بدون أحلام

لأحلام اليقظة جانب مظلم، بعيد كل البعد عن مجرد أن يكون المرء سارحاً في أفكاره أمام النافذة أو مستمعاً إلى أغنيةٍ رومانسيةٍ تجعله يخلق سيناريوهات معيّنة في رأسه.

ففي حين أن أحلام اليقظة لدى البعض تكون عبارة عن لحظاتٍ ممتعةٍ عنوانها "إجازة" من الواقع لفترةٍ قصيرةٍ من الوقت، فإن البعض الآخر يجد فيها امتداداً للحالات الشعورية التي يعيشها، ومجرد استمرارية لموقف معين من الحياة، تمليه الظروف. أي أنّ أحلام اليقظة، لدى البعض، هي مجر تفصيل بسيط، لا يوصل إلى مجالات جديدة من اللذة ولا الحزن ولا غير ذلك، وإنما يكرر وربما يذكّر بمزاج الأشخاص ومشاعرهم.

"حياتي يسيرها حلمان من أحلام اليقظة، أبتكرهما من جديد كل يوم، دون انقطاع".  هذا ما يسرّ به مرزوق ذو الأعوام العشرين.

"في الأول أحصل على حبّة "سحرية" من مركبة فضائية، وبعد أن "أمصّها"، تتحول كلّ أجزاء جسمي (وعقلي) إلى أفضل حالاتها، وأصبح أقوى وأجمل إنسان على وجه الأرض. أمّا في الثاني، أربح اليانصيب، وأحصل بالتحديد على 350M€ أي ثلاثمئة وخمسين مليون يورو، وتبدأ رحلة التحول من إنسان تتعبه الحياة إلى شخص ثري و"مشهور"، يحسب له الحساب".

ويضيف: "ولكني أملّ بسرعة من التفاصيل وأعيد الشريط إلى البداية فيصلني خبرٌ سارٌّ بأني ربحت اليانصيب أو أحياناً أضجر من هذا السيناريو، فأرى في الأفق مركبة فضائية، أحصل منها على الحبة السحرية. بإعادة السيناريو إلى بدايته أرتاح من التفاصيل المتعبة. زهدي ومللي من الحياة يمتد إلى أحلام اليقظة، يا للسخرية!"

 

أحلام اليقظة المفرطة

في العام 2002، لاحظ أستاذ علم النفس الدكتور إيلي سومر أن 6 من بين 24 طفلاً ناجياً من سوء المعاملة، ينغمسون في الحياة الخيالية السرية التي يعيشوها في داخلهم.

واللافت أن الأشياء التي تجول في عقل الأطفال لم تكن نابعة من الحياة اليومية، بل كانوا يحلمون بسيناريوهات مثاليةٍ عن أنفسهم، من صداقاتٍ حميمية وشهرةٍ ورومانسيةٍ وإنقاذ وهروب... كلها أمور كانت تثير عقولهم لفترةٍ طويلةٍ أثناء قيامهم بحركاتٍ متكررةٍ مثل رمي الكرة في الهواء أو الإستماع إلى موسيقى "مشحونة عاطفياً" والتي ساهمت في بلورة سيناريوهاتهم المفضلة.

وبحسب موقع "vice"، فإن ما أثار قلق "سومر" لم يكن الإفراط في النشاط أو المدة التي قضاها هؤلاء التلاميذ وهم يقومون بالحركات نفسها، إنما في عدم قدرة هؤلاء الأفراد على التوقف عن أحلام اليقظة، وكأنهم قد أدمنوا على القيام بذلك مما أثر على مهامهم اليومية، وساهم في تآكل بعض مظاهر الحياة الواقعية.

من هنا أطلق "سومر" على هذا السلوك "أحلام اليقظة المفرطة" "Maladaptive Daydreaming واصفاً إياه بأنه "نشاط التخيل الواسع الذي يحلّ محل التفاعل البشري أو يتداخل مع الأداء الأكاديمي أو العلاقات الشخصية أو الجانب المهني".

كما اعتبر الباحث أن بعض الأشخاص، منذ ولادتهم، تتكون لديهم نزعة لاختبار أحلام اليقظة بشكل مكثف، مشيراً إلى أن هناك فئة تنجذب نحو عالم أحلام اليقظة وتفضله على الحياة الحقيقية ولا تستطيع مقاومة رغبتها في الإبحار في هذا العالم الخيالي.

تبدو الرغبة في أحلام اليقظة كعجلة لا تتوقف عن الدوران، وبالرغم من أن البحث حول موضوع أحلام اليقظة ما زال مبهماً، إلا أنّ الفوضى التي يعيشها العالم اليوم، قد تغذي ميولنا للغوص في عوالم أحلام اليقظة.

 

المصدر: رصيف 22

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي