ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
114
2018/9/8 01:45:01 PM

تعتمد المعاملات التجارية بشكل عام على طرفين أساسيين هما البائع والمشتري، وفي كثير من المعاملات تتم العملية من خلال لقاء مباشر بين الطرفين، لكن بعض المعاملات التجارية تحتاج في كثير من الأحيان إلى وسيط بين البائع والمشتري، هذا الوسيط يسمى "سمسار".

ومن أبرز القطاعات الاقتصادية التي ينتشر بها السماسرة هي القطاع العقاري، إذ إن سمسار العقارات منتشر جدًا في كثير من الدول العربية، وهو في الغالب يتوسط بين المالك والمشتري للتقريب فيما بينهما لإتمام الصفقة، مقابل حصوله على مبلغ من المال من كلا الطرفين تسمى "عمولة" والتي تتراوح نسبتها بين 2% و2.5% بحد أدنى، وتصل في بعض دول الخليج إلى 5% من قيمة الصفقة، وأحيانًا أكثر من ذلك.

وبخلاف المهن الأخرى لا يحتاج سمسار العقارات إلى مؤهلات معينة أو تعليم محدد ولكن يكفيه أن يمتلك مهارات لفظية واجتماعية ويجيد فن التحاور والتفاوض، لذلك ينظر الكثيرين إلى هذه المهنة على أنها "مهنة من لا مهنة له"، فبدون مؤهلات تذكر قد تتمكن من جني مكاسب كبيرة.

وعلى مدى العقود الماضية انتشرت هذه المهنة في مختلف الدول العربية، فتجدهم ينتشرون على المقاهي أو يتجولون بين الأحياء السكانية، يبحثون عن البائع والمشتري ثم يتوسطون في الاتصال بينهم لإتمام الصفقة، وبات لدى أغلبهم حاليًا مكاتب يعملون من خلالها، لكن وبالرغم من التطور الكبير الذي شهدته المهنة خلال السنوات الأخيرة، إلا أنها باتت مهددة بالاختفاء عما قريب، فهناك حاليًا أسباب عدة تنذر بتلاشيها.

 

النصب والاحتيال يثير المخاوف

باتت عبارة "الوسطاء يمتنعون" تصاحب الكثير من الإعلانات السكنية التي يشترط فيها المالك ألا يكون هناك وسيط بينه وبين المشتري أو المستأجر، كما أنها أصبحت تجذب الكثير من العملاء، إذ تبعث في نفوسهم شيئًا من الأمان، في ظل ارتفاع حالات النصب التي يقف وراءها سماسرة العقارات سواء أفراد أو مكاتب، وذلك من خلال طرح إعلانات عن أراض أو عقارات وهمية، ما أثر على سمعة السماسرة وأصحاب المكاتب العقارية.

وقد انتشرت حالات النصب العقاري بشكل كبير في كثير من البلدان العربية في الفترة الأخيرة، ففي خلال سبعة أشهر فقط من العام الجاري تعرض 30 شخصًا على الأقل لعمليات احتيال عقاري ارتكبها سماسرة عقاريون في أبوظبي، وفقًا للدعوى القضائية التي تنظرها محكمة أبو ظبي.

هذا الأمر كان له أثر واضح على المعاملات التي يدخل بها السماسرة، ففي أبوظبي انخفضت المعاملات العقارية والعمولات التي يحصل عليها السماسرة بنسبة 22% خلال النصف الأول من العام الجاري، مقارنة بزيادة بنسبة 16% عن العمليات المسجلة في النصف الأول من عام 2017، إذ تراجعت عمولات نحو 5181 وسيط في القطاع العقاري بنسبة 30% منذ بداية 2018.

وتعتبر الكويت واحدة من أبرز دول المنطقة التي تزايدت فيها حالات النصب العقاري؛ إذ وصل حجم التداول في قضايا النصب والاحتيال العقاري إلى ما مقداره مليارا دولار أمريكي مؤخرًا، مما دفع وزارة التجارة والصناعة الكويتية في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 لوقف منح التراخيص لإقامة المعارض العقارية، لحين وضع آليات لمواجهة التزايد في حالات النصب والاحتيال، إلا أن ذلك لم يحل دون وقوع عمليات نصب جديدة؛ إذ وصل عدد الكويتيين المعرضين لعمليات نصب في فبراير (شباط) الماضي إلى نحو ألف شخص من خلال ثلاث شركات عقارية، أنهت أعمالها في السوق المحلية.

دولة أخرى تشهد الكثير من حالات النصب في القطاع العقاري، وهي مصر، إذ تشير تقديرات إلى أن حجم المبيعات التي جرى  تداولها عن طريق النصب العقاري وصلت إلى 400 ألف شقة سنويًا، والسمسار أحد أبطال هذه العمليات التي وصل حجم الأموال المتداولة بها نحو 160 مليار جنيه في 2015، ومن المتوقع أن تصل إلى 300 مليار جنيه خلال العام الجاري.

 

ارتفاع نسبة العمولة

سبب آخر يدفع الناس لتجنب التعامل مع سمسار العقارات، وهو ارتفاع نسبة العمولة التي يحصل عليها السمسار من الطرفين، وهو ما يزيد من القيمة الإيجارية أو الشرائية لثمن الوحدة، من أجل إغراء المالك للحصول على عمولة أكبر، ويستغل السمسار في هذا الأمر عدم معرفة المشتري أو المستأجر للقيمة الحقيقة أو سيطرة السمسار على التعاملات في المنطقة التي يبحث بها عن عقار، أي أنه بالتالي مضطر للتعامل مع السمسار وقبول شروطه.

وتعد العمولات أحد أهم عناصر الخلاف دائمًا في رحلة إنهاء العملية، وعلى سبيل المثال استحوذ قطاع العقارات والمقاولات في السعودية على نحو 80% من القضايا الخلافية والنزاعية على عمولات السمسرة في القطاع التجاري، إذ بلغ عدد إجمالي القضايا التي استقبلتها المحاكم السعودية خلال الثمانية أشهر الماضية، نحو 256 قضية، بزيادة 5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

هذه الحالة باتت تتعامل معها كثير من الدول من خلال إصدار قوانين تحدد نسب العمولات، وهذه القوانين ستكون بمثابة حصار للسماسرة، وبالتالي سينخفض عدد العاملين بهذه المهنة، ففي الإمارات حددت دائرة التخطيط العمراني والبلديات، في 13 يونيو (حزيران) 2017، عمولة الوسيط العقاري بنسبة 2% لعقود البيع والشراء كافة، على ألا تزيد العمولة التي يتقاضاها الوسيط على قيمة الإيجار السنوي المذكور في عقد الإيجار على 5% في حال عدم وجود اتفاق بين الطرفين.

نفس الأمر في السعودية التي يحدد القانون فيها قيمة العمولة بنسبة 2.5% من قيمة العقد، إذا كان ينطوي على عملية شراء واحدة، أما في حالة الاستئجار، فستحصل شركة الوساطة على 2.5% من قيمة إيجار الشهر الأول بغض النظر عن مدة الإيجار، بينما أصدرت قطر في 2017 قانونًا يهدف إلى ضبط أسعار الإيجارات والبيع التي تسبب فيها سماسرة العقارات، ولمواجهة النصب والاحتيال الذي يمارسه الوسطاء غير المرخصين، وهو الأمر الذي تسبب في فوضى في عمولات العقار بالبلاد، لكن نتائج مثل هذه القوانين لم تظهر بشكل ملحوظ بعد، لأن كثيرًا من السماسرة يعملون خارج إطار القانون في معظم الدول العربية.

 

منصات مجانية للبيع والشراء

مع انتشار مواقع وصفحات التسويق العقاري عبر شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، واتساع حجم المعروض والمبيعات على هذه الشبكات، تقلص نشاط السماسرة بشكل كبير، فهذه المنصات المجانية تسمح للزبائن برؤية العقار بالصور الحية دون وسيط يتقاضى منهم نسبة عمولة على المشاهدة فقط في بعض الأحيان، فضلا عن الرسوم التي يتقاضاها السمسار من كلا الطرفين في حالة إتمام الصفقة.

ويهدد التسويق العقاري في المنطقة العربية عن طريق الإنترنت بزوال مهنة سمسار العقارات، وقد سبق أن تسببت هذه المواقع في اختفاء هذه المهنة بشكل ملحوظ في دول أوروبية عدة، ففي ألمانيا على سبيل المثال استطاع الموقع الإلكتروني الألماني "إيموبيلين سكاوت 24" الاستحواذ على النسبة الأكبر من تداولات العقارات ودفع مهنة السمسرة للتراجع بقوة، وهو نفس الأمر الذي حدث في كثير من دول العالم في ظل التطور والتكنولوجيا الذي يعيشه العالم حاليًا.

وشهدت هذه المواقع انتشارًا واسعًا عربيًا في الفترة الأخيرة، وهو ما سيكون له أثر مباشر بلا شك على السماسرة، وعلى سبيل المثال يتضح هذا الأمر جليًا في مصر، فبحسب ما نشره موقع "بروبرتي فايندر" أحد أكبر مواقع التسويق العقاري في مصر- فإن قيمة العقارات المسجلة للبيع عبر الإنترنت خلال عام 2017 بلغت 193.6 مليار جنيه، مقارنة بـ60.18 مليار جنيه في 2016، بزيادة 221.8%، وفي الإمارات يسجل "دوبيزل" للعقارات أكثر من 3.7 مليون زيارة في الشهر الواحد، مع تسجيل أكثر من 200 ألف إعلان للعقارات في الشهر.

ويوجد حاليًا آلاف المواقع العقارية في دول المنطقة العربية، بداية من الخليج وصولًا إلى مصر وتونس والجزائر، إذ يعتمد عمل تلك المواقع على البيع والتأجير والشراء والترويج للمشاريع التي تحت الإنشاء، إذ شهدت هذه المواقع انتشارًا واسعًا للإعلان، فضلاً عن الاتجاه الكبير نحو الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"واتس آب" و"إنستجرام" و"سناب شات"، في التسويق العقاري، وهو ما سهل بشكل كبير عملية التواصل بين البائع والمشتري، مما يمهد للاستغناء عن السمسار.

 

أزمة عقارية

من الأسباب التي تهدد أيضًا مهنة سمسار العقارات هو حالة الركود التي تعاني منها سوق العقارات في الخليج ومصر والجزائر والأردن، ومعظم الدول العربية بشكل عام، متأثرة بعوامل سياسية واقتصادية تفاقمت خلال السنوات الأخيرة، هذا الركود سيصيب أولًا سمسار العقارات لأن أرباحه ورأس ماله يعتمد في الأساس على التداولات المستمرة والحركة في السوق، ومع هذا الركود من الطبيعي أن يتقلص عدد السماسرة.

ففي الجزائر يهدد الركود العقاري مستقبل مهنة سمسار العقارات والتي تعد أحد المهن القديمة في البلاد، فبحسب كمال يحياوي، سمسار عقارات الجزائري، فإن قطاع العقارات في الجزائر يمر بوضع استثنائي فما زالت الأسعار مرتفعة رغم الركود، مشيرًا إلى أن عدد سماسرة العقارات قد تقلص بشكل كبير في السنوات الأخيرة، "حيث تمر أحيانًا ثلاثة أشهر ولا نظفر بأي صفقة نتوسط فيها لطرفي العملية"، على حد تعبيره.

من ناحية أخرى، ففي مايو (أيار) الماضي، انخفضت قيمة الصفقات العقارية بالسعودية بنسبة 26% شهريًا، بينما جاء الانخفاض سنويًا بنسبة وصلت إلى 34.5%، وفي أبريل (نيسان) الماضي بلغ التراجع ذروته إذ انخفضت إجمالي قيمة الصفقات العقارية بنحو 74.3%، وفي الإمارات يسود الركود والانكماش في سوق العقارات، الذي يعد أحد أعمدة الاقتصاد هناك، إذ شهد تراجعًا بنسبة 46% في الربع الأول من 2018، والظروف نفسها يمر بها القطاع العقاري الكويتي وكذلك المصري، وكثير من الدول العربية، وهو بالتالي ما يؤثر بشكل مباشر على عمل سمسار العقارات الذي يعني الحلقة الأضعف في العملية ويمكن الاستغناء عنها بسهولة.

 

المصدر: ساسة بوست

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي