ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
330
2018/9/19 12:51:24 PM

في مطلع مايو (أيار) من كل عام، يسافر آلاف اليهود من إسرائيل وفرنسا وروسيا، ومن بقاع أخرى من العالم إلى تونس، وبالتحديد إلى جزيرة جربة الساحلية التي تقع جنوب تونس على مساحة 500 كيلومتر في البحر الأبيض المتوسط، ويتّجه اليهود إلى هناك لأداء مراسم الحج السنوي لليهود في كنيس الغريبة، الذي يعتبر أقدم كنيس في إفريقيا، ويُعتقد أنه بُني منذ حوالي 19 قرنًا، ويشهد الكنيس المُحاط بحراسة أمنية مشدّدة زيارة السياح طوال العام من مختلف الديانات والثقافات؛ فكونه أقدم كنيس يهودي في أفريقيا يجعله مقصدًا للعديد من السياح الذين يزورون مدينة جربة المتميّزة بشواطئها ومنتجعاتها الجذّابة.

وتحظى جزيرة جربة بشهرة كبيرة بين اليهود حول العالم، وذلك لأن بها أكبر مجتمع يهودي موجود في الوقت الحالي في الدول العربية، إذ يعيش في جربة حوالي ألفي يهودي، يشكلون أقلية متعايشة مع الأغلبية المسلمة لسكان الجزيرة، وهم من تبقى من أكثر من 100 ألف يهودي هاجروا إلى فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية وإلى إسرائيل على مراحل بعد إعلان قيامها منذ عام 1948.

وفي مايو )أيار( الماضي أُثيرت ضجة كبيرة في الإعلام التونسي إثر وجود سيمون سلامة -أحد أبناء الطائفة اليهودية- على قائمة حزب النهضة في الانتخابات البلدية بمدينة المنستير جنوب تونس، وعلى الرغم من عدم نجاحه في الانتخابات؛ فقد أشار ترشّحه إلى ملامح تعاون وانفتاح بين الطائفة اليهودية وحزب النهضة الإسلامي في تونس، وأشاد الكثيرون بخطوة الحزب واعتبروها شجاعة سياسيًا بسبب ابتعاد بعض التيارات السياسية التونسية عن الانخراط مع يهود تونس، وذلك بسبب الحديث الشائع عن موقف قطاع واسع منهم المؤيد للرئيس المخلوع بن علي أثناء الثورة التونسية التي أطاحت بنظامه.

اختلف المؤرخون كثيرًا حول نشأة المجتمع اليهودي في تونس، ولكن البعض يرجع بداية تكوين ونمو المجتمع اليهودي إلى منتصف القرن الثاني الميلادي، إذ تم تأسيس كنيس الغريبة الذي ذكرنا أنه أكبر كنيسة في أفريقيا، والذي جعل من تونس مقصدًا لكثير من المهاجرين اليهود، خصوصًا بعد غزو الرومان لإفريقيا واضطهادهم لليهود بحُكم اعتناقهم المسيحية وبالتحديد المذهب الكاثوليكي، الذي كان أتباعه في ذلك الوقت في نزاع حاد مع اليهود لاتهامهم بصلب المسيح.

وعانى اليهود الكثير من الاضطهاد والقمع خلال حكم الرومان لتونس، ولكنهم لمسوا الحرية بعد انتصار البربر الوندال على الروم والذين كانوا يعتنقون عقيدة الآرية التي تقترب تعاليمها من تعاليم الدين اليهودي، ولكن هذا لم يدم طويلًا، بسبب انتصار البيزنطيين على الوندال، ومع احتلال البيزنطيين تونس عادت آلة القمع ضد اليهود وعقائدهم للعمل مرة أخرى، وظل وضعهم في هذه الحالة حتى الفتح الإسلامي لتونس، الذي سمح للمسيحيين واليهود بالتعايش وممارسة عقائدهم مقابل دفع الجزية للمسلمين، وهذا ما عرف بالوضع الذمي.

وبدأ اليهود في الانخراط في السياسة وتقلّد بعض المناصب السياسية على فترات متعاقبة في التاريخ، بعد قدوم الحملة الفرنسية إلى تونس في نهاية القرن الثامن عشر، ورحّب يهود تونس بالحملة واندمجوا في المجتمع الفرنسيّ الاستعماري، وبدأ وضعهم في الازدهار حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي، ودخول النازيين إلى تونس واحتلالهم للجزء الشرقي من البلاد في الفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1942 وحتى مايو )أيار( 1943، وقتل الألمان في هذه الفترة قرابة الألف يهودي من خلال القصف المباشر أو الحصار الذي أدى إلى المجاعة، فضلًا عن قيام القوات الألمانية بترحيل بعض اليهود التونسيين إلى معسكرات الهولوكوست،  وهنا بدأ اليهود إلى الهجرة بكثافة إلى فرنسا وإلى الأراضي الفلسطينية المحتلّة.

واليوم يعيش من تبقى من يهود تونس (حوالي 2000 شخص) في جزيرة جربة، في حارتين يهوديتين تعرف إحداهما بالحي الكبير أو الحارة الكبيرة، والثاني بالحي الصغير أو الحارة الصغيرة، ويبعد الحيّان عن بعضهما بمسافة تقدر بنحو ثمانية كيلومترات.

ويمتهن يهود جربة العديد من المهن الحرفية أهمّها الجزارة والصياغة، ويمتلك الكثير منهم مطاعم شعبية في الجزيرة، ويوجد بالجزيرة مؤسّسة تسمى لجنة المعونة الأمريكية اليهودية المشتركة، والتي تصرف كل عام ملايين الدولارات لمساعدة المجتمع اليهودي في مدينة جربة وحمايته من الانقراض، وذلك من خلال دعمها للكثير من المشروعات التي توفر فرص عمل لليهود على الجزيرة، بالإضافة إلى دعم البنية التحتية والخدمات العامة، ومن ضمنها كانت مدرسة الفتيات التي أسستها اللجنة في خمسينات القرن الماضي وما زالت تنفق عليها حتى الآن.

منذ إعلان دولة إسرائيل، تحاول الحكومة الإسرائيلية جذب اليهود من كافة أنحاء العالم، وكما ذكرنا في مقدمة التقرير أن يهود جربة هم نسبة قليلة للغاية مقارنة بالمجتمع اليهودي التونسي الذي كان يتكوّن من 100 ألف شخص قبل هجرة معظمهم إلى إسرائيل، وتقلّد منهم مناصب قيادية في حكومة إسرائيل، مثل سليفان شالوم وزير الداخلية الإسرائيلي السابق الذي ولد في محافظة قابس جنوب تونس عام 1958 وهاجر مع عائلته إلى إسرائيل، ولكنه عاد إلى تونس عام 2006 لمشاركته في القمّة العالمية لجمع المعلومات.

وما بين نهاية عام 2010 ومطلع عام 2011، استغلت إسرائيل اندلاع الثورة التونسيّة لكي تحثّ الكثير من العائلات اليهودية على الهجرة إلى إسرائيل بذريعة أن تونس لم تعد آمنة بصورة كافية لهم، نظرًا لتنحّي بن علي الذي لطالما ربطته علاقة قوية مع الطائفة اليهودية في الجزيرة التونسية، وخوفًا من "وصول نظام معادٍ لليهود إلى السلطة" حسب توصيف الصحافة الإسرائيلية.

وفي العشرين من يناير (كانون الثاني) عام 2011، وحسب صحيفة تونسية، فقد أعلنت القناة العاشرة الإسرائيلية أن الحكومة الإسرائيلية أرسلت قوّات عمليات خاصة إلى جزيرة جربة من أجل تنفيذ مهمّة سريّة تمثّلت في إجلاء ست عائلات يهودية مكونة من 20 شخصًا قد تواصلت الحكومة الإسرائيلية معهم في وقت سابق، وأبدوا شعورهم بعدم الأمان أثناء الثورة في تونس، لذلك تحركت إسرائيل وساعدتهم على الهجرة إلى إسرائيل.

وفي مطلع عام 2017، حذّرت الحكومة الإسرائيلية في بيان رسمي اليهود حول العالم من الحج إلى كنيس الغريبة في جزيرة جربة التونسية في مايو (تموز)، ولكن تصريحات الحكومة الإسرائيلية قُوبلت بالاستنكار من يهود جربة أنفسهم، إذ صرّح حينها بيريز الطرابلسي رئيس الطائفة اليهودية في جربة وقال: "تلك الدعوات صادرة عن مسؤولين في إسرائيل لا يريدون الخير لتونس، مع أن الأخيرة تعتبر أكثر أمنًا مقارنة بإسرائيل". ويحاول الطرابلسي دائمًا عدم الزج بيهود تونس داخل الصراع العربي الإسرائيلي بسبب القضية الفلسطينية، ويصرّ الطرابلسي دائمًا أن الطائفة اليهودية هم توانسة أبًا عن جد، ولهم في تونس أكثر ممّا لهم في إسرائيل، ودائمًا ما يتبنى يهود تونس موقفًا حياديًّا تجاه القضية الفلسطينية.

 

المصدر: ساسة بوست

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي