فريق العمل
حجم الخط :
عدد القراءات
4435
2016/6/21 12:11:24 PM

على الجانب الشرقي لنهر دجلة حيث جانب الرصافة من بغداد تقع منطقة الكرادة التي تعد من أعرق وأهم أحياء العاصمة العراقية، المساحات الكبيرة لمنازل هذه المنطقة التي تتجاوز في بعضها الـ1000 متر مربع تعد من أجمل خصائصها التي باتت "مهددة بالزوال"، بعد أن استحالت العشرات من منازلها الفارهة إلى بنايات عمودية "غير قانونية" كونها لم تحصل على ترخيص وفق القانون العراقي.

ويتم بيع هذه الشقق "غير القانونية" بأسعار تحسب على أساس قربها من الشوارع الرئيسة ففي منطقة الكرادة تتراوح مابين 100 مليون دينار واكثر من 200 مليون دينار، بمساحات من 80 متراً مربعاً الى 100 متر مربع، وبدت آثار هذه التحولات العمرانية تسيء للشكل العمراني للمنطقة وتؤثر في الخدمات.

ولم يقتصر الأمر على منطقة الكرادة فقط ، فمناطق زيونة شرقي بغداد واليرموك غربي بغداد ومدينة الصدر شرقي بغداد وغيرها من مناطق العاصمة شهدت أزقتها تغييراً كبيراً من خلال تحويل عدد كبير من منازل الى شقق سكنية غير مطابقة للمواصفات العراقية وهو ما يهدد التصميم الأساس لبغداد بـ"كارثة" بحسب مسؤولين محليين.

ثغرات قانونية !

عضو لجنة التخطيط الستراتيجي في مجلس محافظة بغداد محمد الربيعي يقول إن "الفترة الأخيرة شهدت اتساع ظاهرة بناء العمارات السكنية عمودياً، بشكل مخالف للمعايير والقوانين، بعد أن استغل مستثمرو القطاع الخاص وجود ثغرات قانونية في قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2008 المعدل، كما استغلوا عجز الحكومة عن بناء وحدات سكنية نظامية للمواطنين"، عاداً أن "ذلك ينذر بكارثة وانهيار للتصميم الأساس للعاصمة بغداد والتخطيط الحضري لها، بسبب تلك التجاوزات".

الربيعي يضيف، أن "مستثمري القطاع الخاص بدأوا بتشييد العمارات السكنية على قطع أراض تبلغ مساحتها من نصف دونم إلى أكثر من دونمين"، مبيناً أن "أغلب تلك المباني مخالفة للمعايير والضوابط التي تضعها أمانة بغداد، حيث يعمد المستثمر إلى بناء عدد طوابق يفوق العدد الذي حددته له أمانة بغداد".

ويشير عضو لجنة التخطيط الستراتيجي، إلى أن "المستثمر يدرك جيداً أن القانون ضعيف ولن يفرض عليه أية عقوبات جراء ارتكابه مخالفات باستثناء دفع غرامات بسيطة جداً، قياساً بالأرباح التي يحققها من بيع الشقق التي تتراوح أسعارها من 100 - 200 ألف دولار"، مؤكداً أن "بعضهم يلجأ إلى رشى اللجان التفتيشية التابعة لأمانة بغداد، ليغضّوا النظر عن المخالفة التي يرتكبونها".

ويوضح ، أن "قانون البلديات رقم 169 حدد عدد طوابق المباني بحسب نوعها ورقعتها الجغرافية، بالإضافة إلى توفر شروط أخرى كمساحة الشارع وعدم وضع نوافذ تطل على المنازل السكنية القريبة من المشروع، ومراعاة التصميم للذوق العام والتصميم الأساس للعاصمة"، عاداً أن "أغلب العمارات السكنية المستحدثة لا تراعي الذوق العام ولا التصميم العمراني لبغداد".

الربيعي يؤكد، أن "ذلك سيؤثر بشكل كبير في البنى التحتية والتصميم الأساس في بغداد، الذي بات يتعرض لتشويه كبير مما يتطلب منّا وضع تصميم جديد للعاصمة"، مطالباً "بإيقاف الزحف السكاني نحو العاصمة".

ودعا الربيعي، الحكومة وصندوق الإسكان ووزارة الإعمار والإسكان وهيئة الاستثمار ومحافظة بغداد إلى "بناء مجمعات سكنية خارج العاصمة لحل مشكلة الاكتظاظ السكاني"، مؤكداً أن "بغداد بحاجة إلى 240 ألف وحدة سكنية لحل المشكلة".

غرامات رادعة

عدم وجود قوانين صارمة جعل من العمارات السكنية المرتفعة تنتشر في العديد من مناطق العاصمة، حيث أقرت أمانة بغداد بعدم "نجاعة" غرامتها المالية في ردع أصحاب تلك المشاريع، فيما طالبت بـ"تشريعات رادعة".

المتحدث باسم أمانة بغداد حكيم عبد الزهرة يقول إن "الأمانة سمحت للمواطنين بالبناء العمودي لثلاثة طوابق، بينما منحت موافقات لبناء أكثر من ثلاثة طوابق للبنايات التجارية والصناعية"، مؤكداً أن "أمانة بغداد تشجّع على البناء العمودي، لكن وفق القانون والآليات".

ويضيف عبد الزهرة، أن "أغلب العمارات السكنية المشيّدة حالياً داخل أزقة وأحياء بغداد مخالفة ولم تحصل على موافقات رسمية"، مُقرّاً بأن "الغرامات المفروضة على البنايات العمودية المخالفة، غير ناجعة، في حال تم اكتشاف المخالفات"، مطالباً "بتغيير بعض التشريعات والقوانين لتكون أكثر صرامة، ورادعة".

عصابات ومافيات

مواطنو العاصمة بدأوا باللجوء إلى الشقق السكنية المخالفة كبديل عن الوحدات السكنية التي تحتاجها بغداد، والتي تقدرها هيئة الاستثمار بـ"مليون وحدة" سكنية، وفيما تؤكد الهيئة وجود 77 مشروعاً سكنياً لها في العاصمة، كشفت عن سيطرة "عصابات ومافيات" على قطع أراض وتقسيمها وبيعها في أكثر من 50 موقعاً.

رئيس هيئة استثمار بغداد شاكر الزاملي يقول إن "العمارات الحديثة والتي تبنى في مناطق متفرقة من العاصمة بغداد، هي ملك خاصة والهيئة غير معنية بها"، مبيناً أن "المشاريع السكنية التابعة للهيئة بلغت نحو 77 مشروعاً سكنياً في بغداد".

الزاملي يرى، أن "اغلب تلك المشاريع هي قيد الإنشاء بسبب الأوضاع التي مر بها البلد منذ عام 2015"، مؤكداً أن "المشاريع المنجزة بلغت 16 مشروعاً، في حين هناك مشاريع متوقفة بسبب تجاوزات مواطنين وتأخر بعض التصاميم، بالإضافة إلى جملة المشاكل التي تعانيها المشاريع المشتركة بين وزارتي الدفاع والمالية".

ويكشف رئيس هيئة استثمار بغداد، عن "قيام عصابات ومافيا باحتلال وشق أراض وتقسيمها وبيعها، في حدود 50 موقعاً في العاصمة"، مؤكداً أن "الهيئة أشرت قبل أسبوعين وجود عمليات بناء لوحدات سكنية بحدود 200 دونم في منطقة الزعفرانية من قبل أولئك المتجاوزين".

ويؤكد ، أن "بغداد بحاجة إلى أكثر من مليون وحدة سكنية"، مشيراً إلى أن "التخطيط والأفكار لتلك الوحدات موجودة، لكن ما يعرقلها هو الوضع العام للبلاد".

ويبيّن الزاملي، أن "ما تم الشروع به من مشاريع سكنية تصل إلى حدود 450 ألف وحدة سكنية، من ضمنها مجمع بسماية الذي يضم 100 ألف، بالإضافة إلى 30 ألف وحدة سكنية ضمن 16 مشروعاً".

عقوبة

"تشويه" العاصمة والتجاوز على المعايير وقوانين أمانة بغداد ما زال مستمراً ومتفاقماً منذ 2003 كما تؤكد لجنة الخدمات في مجلس النواب، فيما تتعهد بتشريعات "تهد" البنايات المخالفة وتعاقب "المتهاونين".كما تقول عضو لجنة الخدمات النيابية صباح التميمي،التي تؤكد إن "بغداد تتعرض لتشويهات عمرانية منذ عام 2003 ولغاية الآن"، مبينة أن "اللجنة وبالتنسيق مع مجلس بغداد و أمانة بغداد بصدد وضع تشريعات تنص على هدم أيّ بناء في العاصمة يخالف القانون وتغريم المخالف".

وتضيف التميمي، أن "لجاناً ستشكل للتحقيق في المخالفات العمرانية، ومعاقبة أي مسؤول أو موظف يتهاون مع المخالفين".

وحدات سكنية

النمو السكاني الكبير والذي يقدر بمليون نسمة سنوياً يحتاج إلى 180 وحدة سكنية إضافية في كل عام لتغطيته بحسب خبراء، فيما أكدوا أن انتعاش قطاع العمران في البلاد سيحرك الاقتصاد ويسهم في القضاء على البطالة و"تجفيف الإرهاب".

ويقول الخبير الاقتصادي باسل أنطوان، إن "قوانين العقار غير مشجعة للمشاريع العقارية لذلك هناك تخلف كبير في مجال العقار"، عاداً أن "العراق يحتاج لنحو ثلاثة ملايين وحدة سكنية".

وأضاف أنطوان، أن "النمو السكاني في العراق يقدر بنحو مليون نسمة سنوياً، ما يحتاج إلى 180 ألف وحدة جديدة في كل عام"، مبيناً أن "مشكلة السكن ستتفاقم إذا ما تركت دون حل، ليتطلب حلها بعد 25 عاماً 250 ألف وحدة سكنية سنوياً".

ويرى الخبير الاقتصادي، أن "انتعاش القطاع العمراني في العراق سيحرك الاقتصاد، على اعتبار أن كل وحدة سكنية تحتاج 760 عاملاً في اليوم، من عمال بناء وغيره، ما يسهم بتشغيل أكثر من 100 مهنة، والقضاء على البطالة والفقر وتجفيف الإرهاب".

وكان نواب عن التحالف الوطني وائتلاف الوطنية دعوا، في الثالث من نيسان الماضي، مجلسي الوزراء والنواب إلى تقديم الدعم المادي لحل أزمة السكن في العراق، وفيما عدّوا أن غياب البيئة الاستثمارية ابرز مشاكل الاستثمار في البلاد، أكدوا أن التشكيك وعدم الثقة يرافقان المشاريع في البلاد.

وكانت هيئة استثمار بغداد أعلنت، في شباط 2015، المباشرة شركة (الامكو) بإنشاء مشروع (بوابة العراق)، بمطار المثنى، وأكدت أن معدل سعر الوحدة السكنية يتراوح من (225 إلى 340) ألف دولار، فيما أشارت إلى كلفة الوحدة ستسدد على شكل دفعات من مراحل البناء.

وتعاني العاصمة بغداد من نقص كبير في المجمعات السكنية، بالرغم من المباشرة بعدد من المشاريع كمشروع بسماية الذي يضم 100 ألف وحدة سكنية، ومشروع بوابة العراق في مطار المثنى، ومجمعي الأيادي في منطقة الخضراء، والعدل السكني في منطقة حي العدل، غربي العاصمة، ومجمع الزهور في منطقة النعيرية، شرقي العاصمة، ومشاريع أخرى صغيرة، فيما توقفت أغلب المشاريع السكنية بسبب الأزمة المالية التي تمر بها البلاد.

وتضم العاصمة بغداد أكثر من 400 مجمع عشوائي، والعدد في زيادة مستمرة نتيجة استمرار تقطيع الأراضي الزراعية وغيرها بسبب المشكلات الأمنية والنزوح، فيما تقوم "عصابات منظمة" في دوائر محددة بتقطيع الأراضي وبيعها بعمليات "شبه قانونية"، بحسب إدارة محافظة بغداد.

وكان مجلس النواب العراقي صوت، في (4 من شباط 2016)، خلال جلسته الرابعة على تشكيل لجنة لإعداد قانون يعالج أزمة السكن في البلاد.

ويعاني العراق أزمة في السكن تفاقمت حدتها بعد العام 2003، مما دفع الكثير من المواطنين إلى السكن في المباني الحكومية التي تعرضت للتخريب، إضافة إلى انتشار العشوائيات في غالبية المحافظات العراقية، في وقت تستمر إيجار المنازل والشقق في الارتفاع وبخاصة بعد سيطرة تنظيم (داعش) على العديد من المحافظات وما رافقها من عمليات نزوح جماعات إلى مناطق أمانة في البلاد.

تشويه

ناشطون دعوا إلى إيقاف إنحدار مستوى الأعمال والإجراءات الإرتجالية، التي شوّهت معالمَ مدينة بغداد وحولتها إلى قرية كبيرة لا تنتمي إلى العصر.

ويظهرُ تشويه المدينة بحسب معنيين بأشكال متعددة، منها إختفاء الأبنية التراثية والمعالم المعمارية في شكل البنايات والشوارع والتجاوز الفض على المساحات الخضراء، وخرق التصميم الأساسي للمدينة، وإستخدام أساليب بناء فوضوية، وإكساء الواجهات بمواد صناعية وغريبة عن بيئة وشخصية المدينة العراقية.

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي