محمد وذاح
حجم الخط :
عدد القراءات
2958
2017/9/30 10:32:32 PM

ليلة العاشر من مُحرم الحرام، وقبل ساعات من صبيحة ذكرى فاجعة مقتل الإمام الحسين عليه السلام وصحبه في واقعة كربلاء الشهيرة سنة 61هجرية، يتوشح بعض الجموع في المواكب الحسينية في العراق والمدن التي يغلب على سكانها الشيعة، باللباس الأبيض إيذاناً لتنفيذ شعيرة التطبير.

وما أن يبدأ قارئ المقتل الحُسيني باسترجاع مشهد واقعة الطف وعلى قرع الطبول يبدأ الرجال، من الشباب والشيبة وحتى الأطفال، بضرب الرؤوس باستخدام آلة حادَّة كالسيف أو أي أداة حادة تُسيل الدماء، من أجل استشعار آلام الحسين بن عليّ وأهل بيته.

ويستند الشيعة في تطبيق هذه الشعيرة إلى الرواية عن السيدة زينب بنت الإمام عليّ عليه السلام عندما رأت رأس أخيها الحسين مقطوعًا وتسحق ضلوع صدره وعظام جسده حوافر خيول (الأعوجية) التي قاد فرسانها حاكم الكوفة (ابن زياد)، ضربت رأسها بمقدم محمل الناقة التي كانت عليها فسال الدمُ من جبهتها.

وظلت  الرواية محل خلاف بين علماء الشيعة أنفسهم حين رواها محمد باقر المجلسي في كتابة بحار الأنوار، والذي يشكك في قوة أحاديثه علماء شيعة معاصرون مثل أحمد الكاتب وغيره.

والحقيقة غير المُعلنة، أن العديد من كبار علماء الشيعة والمراجع الدينية الشيعية يقفونَ ضدّ هذه الممارسة تحديدًا، إلا أن مواقفهم أما أن يحاول الإغفال عنها او تجاهلها عمداً.

ومن بين هذه المواقف الرافضة للتطبير، رأي السيد محمد الأمين العاملي في رسالته الشهيرة التنزيه في تنقية الشعائر الحسينية كذلك ينقل عن الإمام الخميني منعه للتطبير، لكنّ البعض يرى أنَّه منعها فقط في ظروفٍ معيَّنة لعدم مواءمتها لممارسة هذه الشعيرة.

والعديد من علماء ومراجع الشيعة المعاصرون يحرِّمونها بينما يفضل البعض منهم السكوت ومحاولة أخذ الرأي الحياد.

وفي هذا الشأن،  يذهب المرجع الشيعي، الشيخ محمد اليعقوبي، إلى الإشارة لشعيرة التطبير، بأنه لا يجوز في الشريعة القيام بكل عمل غير ‏عقلائي أو فيه ضرر على النفس ‏أو يوجب إهانة للدين ‏ولمدرسة أهل البيت، حسب وصفه.

ويقول رداً على سؤال حول موضوع التطبير في عاشوراء: "لقد ورثنا عن أئمتنا المعصومين طرقاً لإحياء الشعائر الحسينية وتجديد ذكرى عاشوراء، بإقامة مجالس العزاء ونظم الشعر الواعي في رثائهم، واللطم على الصدور، وليس منها التطبير وأمثاله، كضرب الظهور بالآلات الحادة والمشي على النار ونحوها، فإنها تسربت إلينا من أمم أخرى".

ويوافق ما ذهب إليه، المرجع اليعقوبي، آية الله السيد محسن الحكيم، الذي يرى أن "هذه الممارسات ( التطبير) ليست فقط مجرد ممارسات... هي ليست من الدين وليست من الأمور المستحبة بل هذه الممارسات أيضا مضرة بالمسلمين وفي فهم الإسلام الأصيل وفي فهم أهل البيت عليهم السلام"، ويقول أيضاً "لم أرَ أي من العلماء عندما راجعت النصوص والفتاوى يقول بان هذا العمل مستحب، يمكن إن تقترب به إلى الله سبحانه وتعالى، وان قضية التطبير هي غصة في حلقومنا".

ويتماها موقف المرجع الشيعي آية الله السيد أبو القاسم الخوئي، مع موقف سابقيه من التطبير، فيؤكد في رده على سؤال حول إدماء الرأس وما شاكل "لم يرد نص بشرعيته فلا طريق إلى الحكم باستحبابه)، وذلك ضمن المسائل الشرعية".

وقد يكون موقف الرفض للمراجع الشيعية الثلاث أعلاه من التطبير هيناً إذا ما قورن بموقف مراجع شيعة كبار آخرين، أمثال (كاظم الحائري وحسين فضل الله ومحمد باقر الصدر).

ويصف آية الله كاظم الحائري- مرجع شيعي مقيم في ايران- شعيرة التطبير بأنها "من أعظم الذنوب والمحرمات، والخرافات التي يوصم بها الإسلام والتشيع".

ومن ابرز الواقفين بالضد من شعيرة التطبير في عاشوراء، المرجع المُجدد محمد حسين فضل الله، فيقول إن "ضرب الرأس بالسيف أو جرح الجسد أو حرقه حزنا على الإمام الحسين، فانه يحرم إيقاع النفس في أمثال ذلك الضرر حتى لو صار مألوفا أو مغلفا ببعض التقاليد الدينية التي لم يأمر بها الشرع ولم يرغب بها". وذلك ضمن كتابه إحكام الشريعة.

ويذهب المرجع، محمد باقر الصدر- من أعلام مراجع الشيعة الكبار ومؤسس حزب الدعوة- إلى أن إيذاء الذات من الأمور التي يقوم بها عامة الناس، وجهالهم، وان العلماء دائبون على منعه وتحريمه. بحسب ما ورد في سؤال وجه إليه في مسائل إحياء شعائر عاشوراء.  

فيما يتخذ المرجع الشيعي الأعلى، السيد علي السيستاني، موقف الحياد من (التطبير) في أيام عاشوراء حزناً على الحسين.

ويستند في ذلك على "وقف الحكم"، وعدم القول بحرمته أو جوازه، كما وانه لم يحدث أن أجاب على سؤال متعلق بالظاهرة من قبل، بالنفي أو القبول.

بالمقابل، يعتبر المرجع، صادق الشيرازي (اللطم، والزنجيل) من الأمور المستحبة في الدين، ويقول في ذلك: "لقد لطمت الفاطميات على الإمام، ولبسن السواد"، فيما يرى (شعيرة التطبير)، بأنه "مستحب"، ويرتفع الى مرتبة "مستحب مؤكد"، وإن التطبير إظهار للمظلومية التي تجذب القلوب نحو المظلوم وتنفرها من الظالم، وهو نوع من مواساة لمظلومية الإمام الحسين.

جاء ذلك بحسب مجموعة أسئلة وجهت له حول الشعائر الحسينية، والتي من ضمنها السير بالمواكب، واستخدام الطبول في المسير.

وعلى الرغم من تباين موقف المراجع الشيعية الكبار من شعيرة "التطبير" في أيام عاشوراء، إلا أن الغالب في موقفهم اعتبروها من الممارسات التي تأذي النفس والبدن وتسيء إلى قضية الحُسين وقصة تضحيته من أجل الحرية والإصلاح ورفع الظلم.   

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي