ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
5338
2016/7/2 07:12:45 PM

تفوح منها رائحة القهوة من على بعد أمتار, وتضج باحاديث في شتى المجالات الفنية والسياسية والثقافية, ندوات ثقافية, وأماس شعرية, وجلسات , وحوارات. انها مقهى "بُن رضا علوان" في الكرادة, ملتقى المثقفين والكتاب والاعلاميين الجديد, وهي بالاضافة الى كل ماذكر حولها, ملتقى "الحالمين بعراق أفضل", وتنسيقية التظاهرات المستمرة منذ عام, التي غالباً مايجتمع اعضائها في هذا المقهى للإتفاق, كما وانها تعد المكان الذي انطلقت منه هذه التظاهرات في نسختها البغدادية.

وقد كان المقهى منذ 4 اعوام تقريباً, محل لبيع المرطبات والمثلجات, ثم الغي بسبب قلّة الاقبال عليه, لكنه كان مكاناً معروفاً قبل ذلك, بمسمى "اسواق رضا علوان". ولم يبتعد المقهى الجديد عن الاسواق كثيراً, حيث عرفت الاسواق في السابق ببيع البن بأنواعه العربية والأجنبية. وقد سبقت التجربة هذه تجربتين كمقهى, لكنهما لم تكللا بالنجاح.

وجاء المقهى منافساً جديداً على الساحة لملتقيات ثقافية من قبيل مقهى الزهاوي المؤسس عام 1917 على اسم الشاعر جميل صدقي الزهاوي, بين الميدان والحيدرخانة, ومقهى الشابندر في شارع المتنبي, وحسن عجمي في شارع الرشيد, والتي مثلّت مجتمعةً الزمن الجميل لبغداد, ومورد من ينشدون كلاسيكيات العاصمة وتراثها. الى جانب مقاهي أخرى عفا عليها الزمن مثل عارف آغا المقابل لحسن العجمي, ومقهى خليل في الساحى التي ينتصب بها تمثال الرصافي الآن.

وأتصفت المقاهي والملتقيات من هذا النوع بأثرها على الوسط الثقافي والسياسي, وفي حين انها علقت في أذهان الكتّاب والأدباء الذين كتبوا عنها, مثل كتابات الجواهري في مذكراته عن حسن العجمي. فقد كان يستخدها الكتاب لتناول اطراف الحديث عن جديد الشعر والأدب والمواقف السياسية, ولرضا علوان ما لغيره من نصيب أيضاً, حيث عقد عدة أماسِ شعرية في المقهى, وحوارايات للمناقشة مثل "الجلسة الحوارية حول مفهوم المدنية" التي عقدت مؤخراً في المقهى.

وفي الطابق العلوي من المقهى, خصصت ادارته مكاناً لعقد هذه الجلسات, ووضعت منصة متوسطة العلو للمتحدث أو الضيوف الذين تتم استضافتهم في الجلسات, كما وشهد توقيع دواوين شعرية, ومؤلفات, باحتفاليات مصغّرة.

ويقدم المقهى الى جانب العلاقات بين رواده من كافة الأوساط, المشروبات العربية كالشاي القهوة الحلوة والمرة, والكعك والـ"سحلب", بأشكال فريدة ومستوردة, حيث صمم بطابع جديد مختلف عن اساليب المقاهي البغدادية القديمة, كما ويوفر الجرائد والمجلات والكتب لمتتبعي الانباء, ومحبي المطالعة.

أما على الجانب السياسي, فقد كان المقهى هو المكان الذي لمعت فيه فكرة التظاهرات المطالبة بالخدمات, على غرار تظاهرات البصرة العام الماضي, حيث دعا لها عدد من رواد المقهى بعد جلسة لم يكن المتوقع منها –ربما- ان تفضي الى ما أفضت, وذكر الاعلامي نبيل جاسم, والذي كان من ضمن المتظاهرين بادئ الأمر, في احد منشوراته ان "التظاهرات انطلقت بعد حديث على طاولة في المقهى, وتعبير أحد الجالسين عن اشتياقه لساحة التحرير", كناية عن المكان الذي يتم التظاهر فيه.

وبعد انطلاقها, كان المقهى مكاناً معروفاً لتنسيقية التظاهرات, الى جانب حدائق ابي نؤاس, حيث عقدت فيه الجلسات التحضيرية, وتفاصيل الانطلاق والتجمع ومناقشات حول الأهداف, والتظاهر, والمطالب, والشعارات, حتى عرف عنها في فترة من الفترات بأنها "تخلو من الرواد في ساعات التظاهر يوم الجمعة", قبل ان يعود جزء من المتظاهرين اليها بعد ان يكونوا قد "أدوا دورهم في المطالبة".

وعلى عكس الكثير من المقاهي الأخرى, يشهد رضا علوان حضوراً نسوياً يكاد يساوي حضور الرجال فيه, من نساء ينشدن الوعي بما يجري في الشارع العراقي, وناشطات في المجالات الادبية والسياسية والفنية, ليسجل بذلك علامته الفارقة في هذا المجال.

ويقول صاحب المقهى, علاء محمد حسين, وهو حفيد رضا علوان, ان "المكان جاء ليكون مكاناً يلتقي فيه المثقفون ويتواصلون مع بعضهم البعض, لذا منع التلفاز, والأغاني أو الموسيقى, والأركيلة, من خلال كسب طبقة من المثقفين الأكاديميين", ويبين ان "افتتاح المشروع يمزج بين الماضي والمستقبل, ليمثل مرحلة انتقالية من الجد الى الحفيد".

ويضيف ان "المطالعة جداً مهمة على الرغم من انشغال الناس بالتكنولوجيا, لذا وفر الملتقى كتباً للرواد, للشراء والاستعارة, وقد شهد هذا الجانب اقبالاً كبيراً من قبل القرّاء".

ويمتد تاريخ اسم رضا علوان الى 60 عاماً مضت, تخللتها علاقة سيئة بالنظام أعدم خلالها اثنين من العائلة, قبل ان تعيش العائلة ظرفاً صعباً, أدى الى خروج الكثير من أفرادها الى خارج البلاد, بما فيهم الجد رضا علوان, المعلقة صورته في المقهى, والذي غادر العراق منذ ثمانينات القرن الماضي, لكنه حرص على بقاء الاسم برغم تلك الرحلة القسرية.

حلم الجد تحقق في العام 2012, اي بعد 9 سنوات من وفاته, عندما استقدم أحد احفاده فكرة المقهى باسلوب غربي, خلطة بخلطة عراقية. حيث اصبح بعد ستة عقود من تأسيسه مكاناً يلتقي فيه المثقفين والاكاديميين, وتعرض فيه المواضيع الادبية, وتجتمع فيه منظمات المجتمع المدني, وتنطلق منه مبادرات عدة, حتى صار من "مقهى" الى "ملتقى رضا علوان الثقافي", الذي نال سمعة طيبة خلال سنواته القليلة الماضية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي