حسين العطية
حجم الخط :
عدد القراءات
1618
2016/5/22 05:54:29 PM

الدفان علي العمية الكعبي، أحد أكثر مثيري الجدل في العالم الافتراضي العراقي، وأكثرهم غرابة، رجل يملك صفحة في موقع "فيسبوك" يقارب متابعوها الربع مليون متصفح، وتثير منشوراته ردود أفعال متفاوتة كلما قرر ان ينشر واحداً منها، وقد عرف لدى اغلبهم بثيابه المتواضعة ولونها (الحنّي)، ومبادراته الطيبة، والسخرية، حتى عدّه الكثيرون بأنه "الوحيد الذي سخر من الموت".

المهنة دفّان، ومكان عمله مقبرة وادي السلام في النجف، وهو صاحب الجملة الشهيرة الساخرة "ادعولي بالرزق والعافية"، في تعبير تهكمي عن دفنه للموتى، وعمله المتوقف على نهاية حياتهم، وقد شغل في الفترة الاخيرة تحليل الكثيرين الذين عدّوه ظاهرة اجتماعية-انسانية تجسد النظرة العراقية للموت، في ظل تكررها للحد الذي صار مجرد خبر موت احدهم غير مفزع، ولا يثير الاحاسيس ذاتها مثلما كان يفعل الخبر ذاته في سنين قليلة سابقة.

ولا يرى العمية مانعاً في ان يعرض أعماله عبر صفحته، خصوصاً مع ازدياد شهرته، حيث بدأ يستعرض مميزات الدفن، والغسل، والتكفين عنده، وصولاً الى نوع المرمر الذي يزين به القبر، ولونه، ومنشئه، بصور وعبارات مثل (قبر ايطالي، مرمر)، أو (ما هو رايكم بهذا القبر)، كما لا يرى متابعوه مانعاً في التقاط الصور معه، وتسجيل مقاطع فيديو شخصية يبثوها عبر حساباتهم الشخصية ايضاً، كمن يصور مع نجم من نجوم السينما.

ويدخل العمية الحياة العراقية اليومية من كافة مرافئها، حيث يمكن الاطلاع على آراءه السياسية والاجتماعية، وحتى الرياضية، ولكن بطريقته، اذ يتوعد بدفن الفاسدين من الساسة كلما طفت على السطح فضيحة فساد، أو يسخر من جماهير الثنائي برشلونة وريال مدريد الاسبانيين من خلال القسم على دفن نجوم الفريقين بيديه، في الفترات التي يشهد بها "فيسبوك" انشغال الجماهير بمباراة تجمعهما.

أما عن الواقع الامني، فيشارك العمية عبر صفحته أنباء التفجيرات الارهابية، والعمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، كما لو انه وكالة انباء، ساعياً نحو التقاط الأكثر اثارة من بينها، من قبيل اختيار الحدث الأكثر أهمية واثارة للمتابعين.

وعن التفجيرات التي هزت العاصمة بغداد مؤخراً، بادر العمية بالطلب من ذوي الشهداء ممن لا يملكون المال الكافي لدفن مفقوديهم، الاتصال به، ليتكفل بدوره بكافة المصاريف من دفن وغسل ومتعلقاته الأخرى، ناشراً رقم هاتفه الشخصي للتأكيد على ضرورة الاتصال به.

ونشر الدفان نداء الى "اهالي بغداد جميعاً ومناطق مدينة الصدر والشعب وجميله والامين والحبيبية"، أقسم من خلاله على التكفل بجميع مصروفات جنائز من استشهدوا في العمليات الارهابية التي استهدفت العاصمة خلال اليومين الماضيين، مضيفاً انه "سيقوم بالواجب تجاه الشهداء، وانه خادم لكل المحتاجين".

أما متابعوه، فمن الغرابة فيهم ما لايقل عن العمية نفسه، حيث يظهر الكثير منهم تعاطفه مع دعواته وآراءه، للحد الذي يبلغ التمنيات بأن يدفنهم هو نفسه عندما يموتون.

وكتب احد المدونين على الموقع في استعراضه لمبادرة العمية، "نضحك كثيرا على هذا الرجل، ونخاف من وجوده احيانا، واذا هو يلقننا درسين، واحد في التكافل الاجتماعي والاحساس بالمسؤولية الفردية، والاخر في الاعلام والعلاقات العامة والتسويق" واصفا اياه بأنه "رجل يروج لمهنة الدفن بعبقرية نادرة"، فيما علق آخر بأن "أجر دفن الميت كأجر المجاهد في سبيل الله".

وبالاضافة الى مبادراته من قبيل حسن النية، يظهر الحس الفكاهي للدفان بشكل واضح ليزيل الهالة عن الموت، وتعامل الدفانين مع الموتى، جاعلاً من كلمات "السدر والكافور والتغسيل" كلمات متداولة، حيث نشر عبر الصفحة كاتباً تلاعب به من خلال برنامج الكتروني يظهر تبرئته من تهمة "غسل الموتى بالماء الملوث (الخابط)"، وقد صدرت عن مجلس النواب العراقي.

وتقول الوثيقة التي نشرها، انه "بعد اجراء التحقيقات الدقيقة، تبين ان المدعو عليه (علي العمية) بريء من التهمة المنسوبة اليه من قبل المخبر السري، بعد صدور مذكرة اجراء تحقيق فوري سابقاً" وذلك بغرض "الوقوف على الادعاء بأنه يغسل الموتى بالماء الملوث (الخابط)، وبعد اجراء التحقيق تبين انه يغسلهم بالماء الصافي"، في تعبير يختبئ خلفه الكثير من السخرية الرمزية، سواء عن قصد أو دونه.

وعلى الرغم من الاختلاف في "ظاهرة" العمية، الا انه عرف الطريق نحو الشهرة من باب لم يفكر يوماً احد بفتحها، مبشراً بمقبرة قد تكون في المستقبل بمستوى "مقبرة المشاهير" في باريس، والتي أصبحت مزاراً ومركزاً للسياحة هناك، خصوصاً في ظل الازدياد المطرد في متابعيه، والذي بدأ يشمل حتى متابيعن من الوطن العربي، وليس العراق فقط.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي