فريق العمل
حجم الخط :
عدد القراءات
3518
2016/6/2 12:24:18 PM

الكوميديا السياسية أو الكوميديا السوداء وهي أن نضحك على مآسينا، كأن نضع الملح على الجرح عمداً، لنختبر ماهية وجعه، ولنطهّر الجرح في ذات الوقت، وهذا ما تفعله الكوميديا حين تلامس السياسة، ترتدي وجه مهرج مضحك، وتعطيه سكيناً حاداً، لنجد أنفسنا نتألم، بينما أعيننا تدمع من الضحك.

وخصوصاً في واقع سياسي مؤلم مثل واقعنا في العراق ، لم يعد لنا متسعاً غير الضحك ولا نعرف على من ؟!

ولهذا أصبحت الساحة السياسية العراقية أرضاً خصبة لبرامج "التوك شو" أو "الستاند أب" الكوميدي والذي يتناول المواضيع الإجتماعية والسياسية التي يتفاعل معها الجمهور.

في الآونة الأخيرة إنتشرت العديد من البرامج المشابهة في القنوات العراقية وحتى في مواقع التواصل الإجتماعي وأكثرها "اليوتيوب" والتي إستوحت فكرتها الأم من البرنامج الشهير للإعلامي المصري باسم يوسف والذي بدوره إستوحى فكرته من برنامج الإعلامي والممثل العالمي "جون ستيوارت".

هل نجحت برامج التوك شو العراقية ؟

رغم كثافة وزخم البرامج في عدة قنوات فضائية، وحتى التي تم إنتاجها من قبل مجموعة ناشطين وبُثت في مواقع التواصل الإجتماعي لسهولة إنتاجها ، لكننا نرى الجمهور لم يتفاعل مع جميعها بسبب تشابهها في الطرح والمضمون ، بل إن بعضها تجاوز حدود الأخلاق والذوق العام وبدأ بطرح المواضيع بأساليب وكلمات بذيئة تتجاوز حتى على المتلقي ليصبح من الصعب عليك مشاهدتها وأنت وسط عائلتك ..!

في هذه الزحمة الإعلامية (غير المبررة) ، برز لنا برنامج جديد يتناول المواضيع الإجتماعية والسياسية بطريقة ساخرة وكوميدية "نظيفة" تخلو من السباب والشتم ، تتحدث عن الحالة السلبية بحذافيرها ولا يوجد لديها "خطوط حمراء" .. "ولاية بطيخ".

غسان إسماعيل

يقول غسان إسماعيل، أحد أبطال البرنامج إن ,الحل الوحيد لمأساة العراقيين التي يعيشونها منذ سنوات، هي السخرية من المواقف السياسية غير الصالحة لخدمة الشعب".

ويرى غسان أن "ما تسبب به الخونة من السياسيين والسراق والمتآمرين لا يُمكن أن يُترك دون أن يُعالج ويُقدم للمتلقي العراقي بطريقة ساخرة وهادفة، وليست طريقة تُقلل من ذوق المتابع إن كان عراقياً أو غير عراقي".

وعن إمكانية نفاد الأفكار التي يعملون عليها، تحدث إسماعيل قائلا "لا نخشى نفاد الأفكار لأننا نعتمد في إعداد البرنامج على البحث الموسع، بالإضافة إلى وجود إجتماع يومي لبحث الأفكار والأحداث الجديدة وشخصية كل ممثل في البرنامج تُبحث وتُناقش بشكل مستفيض، حتى لا يتراجع البرنامج".

هل نجح برنامج ولاية بطيخ ؟

لاقى البرنامج خلال مدة قصيرة جداً والتي بُث فيها إقبالاً كبيراً من المتابعين العراقيين وغير العراقيين، لكنه واجه موجة من التشويش أثناء بثه وتعرض حسابه في موقع الفيس بوك إلى الإبلاغات بشكل كبير، يُعتقد أن سياسيين يقفون وراء ذلك !

الجمهور العراقي والكوميديا السياسية ؟

الطالب الجامعي محمد أياد يقول إن " برامج الكوميديا فكرة ناجحة جداً يتلقفها الشارع بسهولة لإنها تكون المتنفس الوحيد لهم هروباً من الواقع المؤلم , وإستكمل , نحتاج إلى مثل هذه البرامج لنثقف لمجتمع خالٍ من التعصب والتطرف لكن نتمنى أن يبتعدوا عن الكلام غير اللائق بالمشاهد" ، بينما ترى الطالبة سهى فيصل إن مثل هذه البرامج له الصدى الأوسع في الشارع العراقي وتتمنى أن تكون أوسع بأفكارها وطرحها.

ستاند آب كوميدي !

من جهته، يقول أحمد وحيد معد ومقدم برنامج (ستاند آب كوميدي)، الذي يُقدمه على خشبة إحدى مسارح محافظة البصرة إن "السخرية فن عالمي مناسب للأوضاع العراقية الحالية، خاصة وأن المتلقي العراقي يحتاج مسرحاً صريحاً وجريئاً تقترب لغته من لغة الإعلام وهذه أهم مواصفات المادة التي تقدم على شكل ستاند آب".

وأضاف أن "المتلقي وجد في المادة المقدمة في ستاند آب كوميدي ضالته التي فقدها في ضجيج الإعلام الذي كثر فيه المندسون والإنتهازيون وصحفيو الصدفة، حيث فكرت بطريقة يتم من خلالها إفهام المتلقي ما يدور حوله بطرق جديدة".

 

البشير شو ..

أحمد البشير الذي بدأ مراسلاً تلفزيونياً ومقدماً للبرامج السياسية، ثم تحول إلى برامج التوك شو والتي قدمها في أكثر من قناة عراقية وعلى موقع "اليوتيوب"، كبرنامج "شكو ماكو" و"ليفة ستايل" و"أبو لسان" و"مقطاطة"وآخرها "البشير شو" ، لاقى أحمد البشير وهو المعجب بالإعلامي "باسم يوسف " الكثير من النجاح في عمله في الكوميديا السياسية وله متابعين يتجاوز عددهم الملايين على مواقع التواصل الإجتماعي ، لكن يراه البعض من المختصين (طارئاً على الإعلام) لكونه يستنسخ برنامج "البرنامج" للإعلامي باسم يوسف ،ولكونه في الآونة الآخيرة بدأ بتجاوز كل الخطوط الحمراء مع المتلقي لتصبح مادته التي يقدمها عبارة عن كلام لا أخلاقي.

حساسية الوضع !

وعن الخشية من حساسية الوضع والخوض في حقول ألغام، كما هي الحال في المشهد العراقي، يقول أحمد البشير : "كنت على دراية كافية بأن مثل هذا البرنامج، وما يتضمنه من طرح، سيسبب الكثير من الجدل والمشاكل، لكن في الوقت نفسه كنت مؤمناً إنه لابد من أمل في إستيعاب ثقافة النقد .

أما علي فاضل فكان يرى أن "الخشية من حساسية الوضع في العراق مستمرة"، ويلفت الى إنه راقب البرامج التي سبقته، و"بدأ يفكر بأسلوب مغاير"، ويقول فاضل، الذي يختلف عن البشير بتوظيفه مشاهد تمثيلية باطار كوميدي في حلقاته، إن "المجتمع العراقي بات يعي ما يجري".  

فيما يقول أحمد وحيد إن "الوضع حساس فعلاً، وهناك الكثير من الخطوط الحمراء، لكن لا بد من الصدمة، ولا بد من الإقتحام الذي يعيد ترتيب أوراق الناس وينظم طريقة تفكيرهم"، ويضيف وحيد، الذي قام بتقليد خطابات أربعة مسؤولين كبار، هم أياد علاوي ونوري المالكي وإبراهيم الجعفري وحيدر العبادي: "راهنت على وعي العديد من أبناء الشعب ، وهذا ما أدى إلى إيجاد مناخ مناسب لقول الكلام الكبير على المسرح".

لعنة باسم يوسف !

يقول منتقدوا هذه البرامج إنها لم تختلف عمّا قدمه باسم يوسف، مقدم البرنامج الشهير "البرنامج" في مصر، بل إن حركات باسم التي إعتاد بدء حلقاته بها، ومعها "we love you"، فضلاً عن إستعانته بممثلين مساعدين لتأدية مشاهد بالحلقة، فعلها أحمد البشير، وكذلك علي فاضل، وفي الوقت الذي إمتنعت فيه نخب من تشجيع هذه البرامج وتقويمها ورأت فيها تقليدًا فجاً لبرنامج "البرنامج"، فإن باسم يوسف حرص أن يصفق كثيراً لبرنامج "البشير شو"، بل وإن يكون ضيف إحدى حلقاته، وليس وحده من آثر ذلك، فإن مقدم البرامج الساخرة الكندي مارك كريتش حل ضيفًا في برنامج "البشير شو" أيضًا.

يقول الباحث في علم الاجتماع، واثق صادق إن "الكوميديا السياسية الساخرة تقف في مقدمة آليات المواجهة للأفراد عندما يصل منسوب السخط والإحباط واليأس حدوده العظمى، إذ إن مثل هذه البرامج تعمل بمستويين مهمين على الصعيد النفسي، فيمكن عدها آلية تفريغ لشحنات الإشمئزاز والسخط والغضب والتي تعمل في صدور الأفراد حيال النخب السياسية التي لم تتمكن من تقديم نموذج عملي مفيد على صعيد الحياة السياسية والخدماتية العامة".

وأضاف "المستوى الثاني متعلق بقابلية مثل هذه البرامج .. في حال تمت كتابتها وصياغتها وتقديمها بإسلوب خال من الإسفاف والتسخيف .. على وضع المواطن في صورة الحدث".

وتابع صادق "البرامج الساخرة التي تقدمها القنوات الفضائية العراقية، وتحمل مضامين سياسية أو إجتماعية أو ثقافية ساخرة، ترتبط بشكل مباشر بالواقع الحياتي اليومي الذي يعيشه العراقيون، إلا إنه لا يمكن وصفها على أنها برامج سياسية ساخرة خالصة ومفرغة من التوجهات والإنحيازات وهذا العامل قد يجعلها عرضة للإنتقاد لكنها في الوقت ذاته تقلص مساحة الضجر من الواقع السياسي السائد".

وبالمحصلة أصبحت هذه البرامج متنفساً للشعب العراقي المعروف عنه روح السخرية من كل شيء حتى من نفسه بعد كل ماعاناه من مآسي ، وفي جو ديمقراطي مثل الذي نعيشه في العراق نحتاج إلى مثل هذه الأفكار !

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي