فريق العمل
حجم الخط :
عدد القراءات
1731
2016/6/5 12:52:03 PM

كانت اللافتة الموضوعة على مقربة من سوق "الباب الشرقي" الشهيرة، في العاصمة بغداد تشير إلى اسم "منظمة إنسانية"، تقول: إنها تعمل على مساعدة الفقراء والمحتاجين، لكنها لم تكن إلا واحدة من مئات المنظمات التي ظهرت في العراق لتتاجر بقضايا الناس رغم الحاجة الحقيقية إليها في المجتمع العراقي.

وعلى مقربة من بوابة المنظمة مقفلة الأبواب، كان يقف الحاج محمود العتابي رافضا أن يعرف بنفسه، أو أن يدلي بأي تصريح. إلا أن هذا الرجل الستيني باح بعد برهة بأنه يحاول استرداد أمواله التي دفعها لتلك المنظمة العاملة في القطاع الإنساني؛ إذ كانت قد أعلنت عبر ملصقات وإعلانات أنها ستوفر أراضي سكنية لكل عراقي لا يملك أرضا باسمه.

ومثل كثير من العراقيين دفع الحاج محمود نحو 25 ألف دينار مقابل ورقة صغيرة تحمل اسمه ومجموعة من البيانات. لكن المنظمة الإنسانية أغلقت أبوابها، ولم يجد هو وأمثاله جهة يلجئون إليها لتقديم شكوى يمكن أن تعيد إليهم حقوقهم المسلوبة.

ماهية المجتمع المدني؟

يشير مصطلح المجتمع المدني إلى جميع أنواع الأنشطة التطوعية التي تنظمها الجماعة بشأن مصالح وقيم وأهداف مشتركة، وتشمل هذه الأنشطة المتنوعة تقديم الخدمات، أو دعم التعليم المستقل، أو التأثير على السياسات العامة، ففي إطار هذا النشاط الأخير مثلا، يجوز أن يجتمع مواطنون خارج دائرة العمل الحكومي لنشر المعلومات بشأن السياسات، أو ممارسة الضغوط بشأنها، أو تعزيزها (معاقبة صانعي السياسات أو مكافأتهم). وهي تشمل المنظمات غير الحكومية، والنقابات العمالية، وجماعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الدينية، والنقابات المهنية، ومؤسسات العمل الخيري، اما الميزة المشتركة التي تجمع بين منظمات المجتمع المدني كافة، على شدة تنوعها، فتتمثل باستقلالها عن الحكومة. ولعل هذا الطابع الاستقلالي هو ما يسمح لهذه المنظمات بأن تعمل على الأرض وتضطلع بدور هام في أي نظام ديمقراطي.

مفتاح بريمر للمنظمات الوهمية !

نشأت معظم منظمات المجتمع المدني في العراق على إثر القرار 45 الذي أصدره الحاكم المدني في العراق بول بريمر عام 2003 الخاص بالمنظمات غير الحكومية، وظهرت معه مئات المنظمات "الوهمية" أو "الشبحية" كما يصفها عراقيون.

فقد قضى القرار بربط المنظمات بوزارة التخطيط العراقية كجهة مسؤولة عن منح التراخيص، واعتبر إنشاء المنظمات جزءً من ستراتيجية إعادة إعمار العراق. كما خصصت سلطة بريمر جزءً من أموال المانحين لدعم تلك المنظمات وتنفيذ مشاريعها.

التجربة اليوم بلغ عمرها 12 عاماً، ويشعر كثير من الناس بغياب هذه المؤسسات بشكل تام وانقطاعها عن همومهم، فيما يعتبر القائمون على هذه المنظمات ورواد التجربة أنّ الأحزاب قد صادرت منظمات المجتمع المدني وحولتها إلى واجهات حزبية.

حبر على ورق

قرار الحاكم المدني منح الحق للأفراد والتجمعات المدنية بتشكيل منظمات لتقديم المساعدة للمواطن في المجال الذي تختص به، لكنه أسهم في الوقت نفسه بظهور منظمات وهمية كثيرة، نظرا لشروط التسجيل "المتساهلة" التي وضعها.

فأنشِئت مئات المنظمات وأهدرت ملايين الدولارات المخصصة لها من منح دولية. فضلا عن الأموال التي استحصلتها من المواطنين على شكل "تبرعات" أو "رسوم" بذرائع مختلفة.

ولم تدقق الجهات المشرفة على التسجيل بوجود مقر رسمي فعلي للمنظمة، مراعاة للأوضاع الأمنية التي كانت تمر بها البلاد آنذاك.

ونصت فقط على : أن تكون المنظمة مستقلة وغير ربحية وتختص بشأن محدد من شؤون المجتمع المدني مثل المعوقين والأرامل والأيتام وغيرها.

أنسام العبايجي المدير السابق لدائرة تسجيل منظمات المجتمع المدني في وزارة التخطيط تقول في حديث اطلعت عليه (وان نيوز) ، أن عدم التدقيق في حقيقة وجود مقر كان "أحد الأسباب التي أنشأت منظمات هي مجرد حبر على ورق، ولم تقدم أية خدمات رغم استلامها لمبالغ الدعم".

واستقبلت العبايجي أثناء فترة توليها منصبها في العام 2004 مئات من الشكاوى من مواطنين جراء عمليات تلاعب قامت بها منظمات غير حكومية.

وترى إن "بعض المنظمات استلم مبالغ من المواطنين ومنحهم وصولات بحجة توزيع الأراضي والشقق عليهم أو استخراج منح مالية لشريحة معينة منهم".

ولا تتوفر لدى العبايجي أو لدى أي جهة رسمية إحصائية كاملة عن عدد المنظمات الوهمية التي تم اكتشاف أمرها لحد اليوم. وآخر تصريح في هذا الصدد جاء على لسان حسين الصافي المدير العام السابق لدائرة منظمات المجتمع المدني في مجلس الوزراء في تموز (يوليو) عام 2009 حين قال أن هناك 300 منظمة وهمية تم إغلاقها.

منظمة الأمين للإسكان

أموال طائلة تلك التي أنفقتها المنظمات غير الحكومية الوهمية في العراق قبل ان يتم اكتشافها وتختفي عن الأنظار. بعض من رؤساء تلك المنظمات فرّوا إلى دول أخرى مع ما غنموه من أموال وما تقاضوه من المواطنين لقاء تقديم خدمات وهمية.

أحد أبرز المنظمات الوهمية التي عرفتها بغداد كانت "منظمة الأمين للإسكان"، وقد وردت بحقّها عشرات الشكاوى من مواطنين بعدما قامت بتوزيع أراضٍ لقاء رسوم محددة، قبل اكتشاف عائدية تلك الأراضي إلى الدولة العراقية.

"الأمين للإسكان" كانت قد ذكرت في إعلاناتها ومطبوعاتها أنها تعمل بالتنسيق مع أمانة بغداد بهدف تأمين السكن للمعوزين، وتتقاضى مبالغ وأقساط بسيطة على الأراضي الموزّعة. وتبين فيما بعد أن المنظمة تصرفت بشكل كيفي دون الحصول على موافقات التخصيص، ما يمكن وصفه حسب العبايجي بأنه "عملية احتيال".

منظمة "الأمين" التي اختفت كليا عن الأنظار في أواخر العام 2005 وزعت أكثر من 500 قطعة أرض في بغداد على الصحفيين والمواطنين شيد بعضهم بيوتا فوقها، وهم يرفضون اليوم التنازل عن الأرض بذريعة أنهم دفعوا الرسوم المطلوبة منهم للمنظمة، وأن الحكومة هي المسؤولة عن محاسبتها.

وإلى الآن وبعد مرور أكثر من تسع سنوات يطلق أهالي بغداد وسائقو سيارات التاكسي على بعض مناطق العاصمة اسم "أراضي منظمة الأمين".

الغاء قرار بريمر

بعض مدراء المنظمات الوهمية أسسها أصحابها ليس بهدف الحصول على أموال المنح، بل على فرص للهجرة خارج البلاد واكتساب جنسية أجنبية.

وحتى مطلع العام الماضي بلغ عدد منظمات المجتمع المدني العاملة في العراق والمسجلة رسميا في وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني نحو خمسة آلاف منظمة.

لكن قانونا جديدا يحمل الرقم (12) صدر في شباط (فبراير) 2010 ألغى قرار بريمر السابق، وأجبر المنظمات كافة على إعادة التسجيل من جديد، كما أنهى ارتباط المنظمات بوزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني ليربطها رسميا بدائرة منظمات المجتمع المدني في رئاسة مجلس الوزراء.

القانون الحالي يخلو تماما من الإشارة إلى التزام الدولة بدعم منظمات المجتمع المدني على خلاف الوضع في اقليم كردستان العراق حيث يخصص جزء من الموازنة لدعم المنظمات. كما أن القانون يضع تلك المنظمات تحت إشراف رئيس الحكومة مباشرة، وهو ما جوبه باعتراضات من قبل العديد من الناشطين من بينهم الناشطة المعروفة هناء إدوارد.

التمويل مفتاح الاستقلال

الحرية والاستقلال يضمنها مصدر التمويل، وأغلب منظمات المجتمع المدني اليوم محرومة من مصادر التمويل الحر، ففقدت حريتها واستقلاليتها وصارت تابعة لأحزاب وجهات وحتى لأشخاص متنفذين تروج لهم ولمشاريعهم وطروحاتهم.

الأخطر أن عشرات المنظمات تتلقى تمويلها من مؤسسات دولية أوربية ووغربية وآسيوية ، لكن التمويل وبسبب الفساد يتسرب إلى جيوب أشخاص متنفذين. وقد أيّد الناشط والحقوقي حسن شعبان هذا الأمر، مؤكدا أن عددا من العاملين في سلك منظمات المجتمع المدني كانوا يعملون في سفارات النظام السابق، وقد تعرفوا على منظمات دولية، فأصبحت هذه المنظمات تثق بهم وتتعامل معهم حصرا بسبب الانهيار الأمني الحالي في العراق.

ابتزاز للناشطات

الوضع العراقي بتفاصيله الصعبة يجعل من الصعب جدا على أي شخص أجنبي وخاصة الغربيين منهم أن يزوروا العراق ليطلعوا على مصير الأموال والمواد التي يمنحونها لمنظمات المجتمع المدني والتي تذهب في الغالب إلى جيوب منتفعين قلة لتحل محلها عينات يقصد منه التمويه والتضليل.

فوق ذلك، فان تقارير كثيرة من داخل منظمات المجتمع المدني تتحدث عن عمليات ابتزاز للناشطات العاملات في المنظمات، يقوم بها في الغالب وسطاء بين تلك المنظمات وبين الحكومة أو بين المنظمات وبين المنظمات الدولية الداعمة.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي