فريق العمل
حجم الخط :
عدد القراءات
3011
2016/6/5 06:40:53 PM

طوال سنوات, كانت العلاقة بين التيارات المدنية والاسلامية, سيما المتشددة منها, شبه متوترة, بل حتى انها دخلت في منعرجات عدة بلغت حد العداء, وخصوصاً في الحقبة التي شهدت انتشاراً واسعاً للتيارات المدنية, الشيوعية والعلمانية والليبرالية بكافة تصنيفاتها, والمتمثلة في المدة بين العقدين الثامن والتاسع من القرن الماضي, لتسجل بعدها بسنوات قليلة فترة من الهدوء النسبي, مع وجود مناوشات من هنا وهناك.

مدة الهدوء هذه, عادت بغير المتوقع, حيث شهد التياران تقارباً ملحوظاً في الاشهر القليلة الماضية, وكل منهما يدعو الى التعايش السلمي واحترام الآخر, للحد الذي وصل الى مشاركة الاهداف ذاتها, وتوحيد الكلمة, حيث دعت تيارات اسلامية الى عدم التعدي على المدنيين واحترامهم وعدم المساس بهم, ولجأ مدنيون الى احضان "تيارات الاسلامية" بشكل لم يكن يحلم به أكثر المتفائلين.

 

ساحة التحرير ودورها في التقارب

كان لتظاهرات ساحة التحرير الدور البارز في التقارب بين الاسلاميين والمدنيين في ظل تماهي الاهداف وتوحدها, بعد عدة اعتداءات تعرض لها المدنيين وهم يشيرون بأصابعهم نحو اشخاص محسوبين على جهات اسلامية, بادئ الأمر. طعنات بسكاكين, واعتقالات طالت عدة اصوات منهم كان المتهم الوحيد بها هو "الاسلامي" الذي دخل الساحة بوجهين, أحدهما يطالب بحقوقه والآخر لـ"زعزعة التظاهرة", حتى بلغت الحيطة منهم حداّ كان فيه المدنيون يعزلون انفسهم في الساحة بمكان معين, وهم يهتفون هتافهم المتعارف عليه "باسم الدين باكونا الحرامية", فيرد انصار التيار الاسلامي بهتافات من قبيل "تاج تاج ...", و"هاي جنوده ابن السيد".

النفس المتماحك هذا, سرعان ما انتهى بدعوة زعيم التيار الصدري أتباعه الى الخروج بتظاهرات مماثلة في ساحة التحرير, المكان الذي اتخذه المدنيون منذ البداية, لتخرج بذلك تظاهرتين بيوم واحد, صباحية للصدريين, ومسائية للمدنيين, خلال جمعة واحدة, وتتحد التظاهرتين في الاسبوع الذي يليه, وسط وصايا صريحة من زعيم التيار بضرورة احترام المدني وعدم المساس به بأي شكل من الأشكال, الأمر الذي حفّز اسماء من الحركات المدنية على الدخول بمحادثات مع الصدر, يتم من خلالها التنسيق للتظاهرات, وتكلل بنجاح العلاقة بين الطرفين, حتى ان زعيم التيار الصدري قد أمر بأن يكون أحد المدنيين ضمن قائمة تنسيقية التظاهرات المكونة من خمسة أسماء.

 

المدنيون يقولون "شراكة" والصدر يصف نفسه براعي الاصلاح

حرص المدنيون عند دخولهم ممر التعاون المشترك والتنسيق مع التيار الصدري على عدم ذوبان تيار بآخر, أو سيطرة احدهما على الطرف الثاني, وهو ماظهر جلياً في مقابلات الاسم الشيوعي جاسم الحلفي وأحد أبرز وجوه التظاهرات والداعين لها أحمد عبد الحسين, حيث ركزوا على ان مايحدث في الساحة هو "شراكة" بين تيارين ينشدان أهداف واحدة, وهو مالا يمكن البت فيه خصوصاً باختلاف اعداد كل منها.

وقد ركز المدنيون أيضاً على ان مايحدث في ساحة التحرير هو شراكة بين التيارين, بالنظر الى توحد الأهداف, وقوة صوت التظاهرة جراء الزخم الذي قدمه توحدهما, لكن المعطيات سرعان ماتغيرت, بعد الانعطافة التي شهدتها التظاهرات ودخولها مرحلة الاعتصام, لياتي الصدر مرة أخرى ويخطف اضواء الاعتصامات كلها, ويعلن دخوله الى المنطقة الخضراء لوحده, واضعاً 26 طلباً على طاولة الحكومة والبرلمان, تعمل على تحقيقها وفق سقف زمن معين, ولينصب نفسه "راعياً للإصلاح" ويعلن اسوار الخضراء مكاناً لكل العراقيين على اختلافهم.

 

 

انقسامات داخل البيت المدني

لم يسلم البيت المدني هو الآخر من حجر الانتقادات والانقسامات التي كان لها أثرها البالغ في انحسار عددهم في التظاهرات, ليسيد الموقف أنصار الصدر, مع عدد من الاسماء المدنية التي عوملت "معاملة الضيف", اذ وفرت لهم الخيام للمبيت, والمواكب للأكل والشرب. طريقة التعامل هذه أزعجت العديد من المدنيين, الذين رأوا ان التظاهرات مدنية, ينبغي الّا يدخلها أي مسمى آخر, ما أدى الى انتقادات واسعة طالت تنسيقية التظاهرات, وشوهدت بعدها بأيام صور لمدنيين يرتدون العمامة, في تعبير تهكمي عن شراكتهم بالتيار الصدري, المصنف على انه تيار اسلامي.

وذكّر كتاب ومدونون بسياسة التيار الصدري, وامتلاكه لجناح مسلح, وسلوكه قبل سنوات قريبة ماضية, حيث كان المدنيون من أبرز المنتقدين لها, الامر الذي لم ينجح بفض الشراكة, وتمسك كل منهما بالطرف الآخر.

 

من المستفيد من الشراكة ؟

أخرج التقارب بين الطرفين وجوه التيار الصدري في الحكومة من الوزراء, ونوابه في البرلمان من عين النقمة التي ينظر بها المتظاهرون للسياسي بشكل عام, خصوصاً وان له ثلاث وزارات كانت متهمة بذات التهمة, والمتمثلة بالتقصير بأداء الخدمات, والفساد, قبل ان يقوم الصدر بوضع لجنة من الخبراء لإختيار مرشحين "تكنوقراط" لإدارة الوزارات, الى جانب لجنة الخبراء التابعة لرئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي.

وعوضاً عن مسائلتهم, شوهد نواب التيار الصدري وهم يحملون على الاكتاف, أثناء اقتحام المنطقة الخضراء في المرة الأولى, ما جعل منهم جزء من الدعوة للإصلاح و"الثورة" في ذات الوقت, وخلصهم من تهم الفساد التي كانت سائدة, والتي شملت كل من يرتدي بزة رسمية ويمتلك منصباً معيناً في الدولة, من المناصب العليا، فيما انطلقت دعوات الصدريين الاخيرة الى "ثورة اصلاحية" ما فسّر على أنه محاولة  لكسب رضا جهات غير اسلامية ، ويؤشر ذلك تحولا جوهريا في سلسلة التحولات العقائدية للتيار الصدري الذي يبدو انه يحاول الخروج من عباءة عقيدته السياسية متأثرا بحركات مدنية تنام معه في خيمة واحدة.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي